بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين
وصلّى الله على نبيه ورسوله محمد وعلى آله وصحبه وسلم. هناك عيدين في الإسلام: عيد
الأضحى وعيد الفطر، أما الاحتفالات الأخرى كالاحتفال بذكرى مولد الرسول r فهي ليست إلزامية ولا
ممنوعة. ومع ذلك وصلنا إلى وقت بتنا نسمع فيه الكثير من الانتقادات لهذا الاحتفال.
ولم أشأ أن أتطرق إلى هذا الموضوع من قبل بسبب وجود قضايا أهم تشغل بال المسلمين
في وقتنا الحاضر. فنحن نعيش في زمن يهدم فيه أعداء الإسلام أمة النبي rمن
الداخل والخارج بلا رحمة، فيما يوجد القليل فقط من المؤمنين القادرين على
مواجهتهم. وقد وصلنا إلى زمن جاهلية جديدة أضحت فيه الحقيقة سلعة، وبات الكذب هو
الأصل.
نعيش اليوم في عصر يذبح
فيه المسلمون في كل مكان. وقلوب المؤمنين تناجي الله عز وجل طالبة العون ليرسل
إليهم من هو مؤيد بنصره وملائكته ليخلصهم من هاوية الجهل والقهر التي وقعوا فيها.
وحيثما نظرنا نرى المسلمين يعذبون، ويقتلون ويؤذون لا لشيء إلا لقولهم «ربنا
الله». وما يحدث في البوسنة وأذربيجان وكشمير وتايلندا وطاجكستان والجزائر، كما في
كثير من أنحاء المعمورة لشواهد مرعبة على الطرق التي يعامل بها الإسلام والمسلمون،
وبين الآلاف المؤلفة من العلماء ليس هناك سوى قلة منهم على استعداد لأن تدب الصوت
وتطالب بالتغيير والعودة للشريعة وسنة المصطفى r.
هذه هي حالنا، وفي هذا
الوضع كنت متردداً لأن أبحث في أي موضوع قد يساء فهمه مما قد يثير فتنة بين
المسلمين. فالله سبحانه وتعالى قد أمر في كتابه العزيز: )واعتصموا
بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا( (آل
عمران: 103).
ومع ذلك نرى، وأكثر من
أي مرة سابقة، أن ما يؤلم المسلمين ليس جميعه من تدبير أعدائهم. فمن بين أظهرنا
تهاجم الأمة وتصاب إصابات بالغة من أناس معروفين لا نحب أن نسميهم. هم لا يحبذون
مقارعة أعداء الدين لكنهم يجدون ضرورة في محاربة المسلمين والجماعات المؤمنة في
العالم الإسلامي. لذلك وجدت لزاماً علي أن أعد العدة لكي أرد عن المؤمنين كيد
هؤلاء المسلمين الذين لا هم لهم سوى إيجاد العيوب في إيمان المسلمين الآخرين بينما
أعداء الأمة يمزقونها شر ممزق. وهم يجهدون في إيجاد أي نقطة يعتبرها أئمتهم موضع
شك كعذر للازدراء والحط من إيمان المسلمين فيكيلوا إليهم نعوتاً من أمثال: مشركين، كافرين،
مبتدعين. ولا يجدون أسهل من أن يبدلوا ما اتفق عليه أئمة
المسلمين على مدى أربعة عشر قرناً ويسمونه: بدعاً، شركاً أو كفراً.
لذا، ومن أجل حماية
المسلمين والمؤمنين من هكذا اتهامات خاطئة وغير مقبولة، خاصة في أميركا وكندا، حيث
هناك ندرة في العلماء القادرين على الرد على هؤلاء الجهلة، وجدت لزاماً عليّ أن
أعد هذا الرد. وإن شاء الله فإني سأسرد الحقائق والبراهين على جواز الاحتفال
بالمولد النبوي من القرآن والسنة واجتهاد أئمة المسلمين بنية الرد على انتقاد
وتشكيك بعض العلماء الجهلة الذين يدّعون الإلمام بكل أمور الدين وكذلك من أجل
مشاركة الآخرين بالفهم الذي أنعم الله به على علماء الإسلام الحقيقيين. وقبل أن
نخوض في الشرح أود أن أطرح ثلاثة أمور:
1 –
إن الاحتفال بذكرى مولد النبيr جائز،
وأن الاجتماع للاستماع إلى السيرة والمدائح النبوية جائز، وإطعام الطعام وإدخال
البهجة إلى قلوب الأمة في تلك المناسبة جائز.
2 - إن الاحتفال
بالمولد النبوي يجب ألا يكون فقط يوم الثاني عشر من ربيع الأول بل يجب أن يقام في
كل يوم من كل شهر وفي كل مسجد، لكي يشعر الناس بنور الإسلام ونور الشريعة تدخل في
قلوبهم.
3 –
ونقول بأن هذه التجمعات في المولد مفيدة ومنشطة لجهة دعوة الناس للإسلام وتعليم
الأطفال أمور الدين، كما أن فيها فرصة ذهبية لا تعوض لكل الأئمة والدعاة لكي
يرشدوا ويذكَروا الآمة المحمدية بأخلاقه وطريقة عبادته ومعاملته للناس. وهذه إحدى
السبل لجعل الأطفال يحبون النبي r ويذكرونه. عن طريق الحلوى والعصير والهدايا
لإدخال البهجة إلى قلوبهم.
إن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف هو الاحتفال بالإسلام عينه، ذلك
لأن النبي r هو رمز الإسلام.
يقول الإمام متولي الشعراوي في كتابه "مائدة الفكر الإسلامي" ص
295، إذا كان بنو البشر فرحون بمجيئه لهذا العالم، وكذلك المخلوقات الجامدة فرحة
لمولده وكل النباتات فرحة لمولده وكل الحيوانات فرحة لمولده وكل الجن فرحة لمولده،
فلماذا تمنعونا من الفرح بمولده.
وهذا الحديث مذكور في صحيح البخاري في «كتاب النكاح». وقد ذكره
ابن كثير في كتبه «سيرة النبي» الجزء الأول ص 124، وفي كتاب «مولد النبي» ص 21،
وفي كتاب «البداية والنهاية» ص 272 –
273
كما أن الحافظ شمس الدين بن نصر الدين الدمشقي
كتب الأبيات التالية في كتابه «مورد الصادي في مولد الهادي».
|
إذا كان هذا كافراً جاء ذمه |
بتبّت يداه في الجحيم
مخلّدا
|
|
أتى أنه في يوم الاثنين دائماً |
يخفف عنه للسرور بأحمدا
|
|
فما الظن بالعبد الذي كان عمره |
بأحمد مسروراً ومات موحّدا
|
وقد روي في صحيح مسلم في «كتاب الصيام» عن أبي قتادة الأنصاري رضي
الله عنه أنه قال: سئل رسول اللهr عن صوم يوم الاثنين، فقال:
هذا يوم ولدت فيه وأنزل عليّ فيه رواه مسلم.
ونورد أيضاً من أقوال الشيخ متولي الشعراوي: إن
أشياء عجيبة حدثت يوم مولده كما ورد في الحديث والتاريخ، ولم تكن ليلة مولده كأية
ليلة من ولادات بني البشر. وقد وردت هذه الأحداث والأحاديث العائدة لها كاهتزاز
عرش كسرى، وانطفاء النار بفارس بعد أن دامت ألف عام، وغيرها في كتاب ابن كثير «البداية والنهاية» الجزء الثاني ص 265-268.
ونورد لكم من كتاب ابن
الحاج «كتاب المدخل» الجزء الأول ص 261: «يجب علينا في كل يوم اثنين من ربيع الأول
أن نكثر من العبادات لنحمد الله على ما أتانا من فضله بأن بعث فينا نبيه الحبيب r ليهدينا
للإسلام والسلام… فالنبي r عندما سئل عن صوم يوم
الاثنين أجاب: هذا يوم ولدت فيه. لذا، فهذا اليوم يشرف ذاك الشهر لأنه يوم النبي r ... وقد قال: أنا سيد ولد
آدم ولا فخر.وقال:
آدم ومن جاء بعده تحت لوائي يوم القيامة. رواها الشيخان بخاري
ومسلم. وقد أورد في صحيحه أن النبيr قال: ولدت يوم ذاك الاثنين
وفي مثله نزل عليّ أول الوحي. وقد أعطى
النبي r اهتماماً ليوم مولده وحمد الله على نعمة خلقه بأن صام في هذا
اليوم كما هو وارد في حديث أبي قتادة. ونفيد من ذلك أن النبي r كان يعبر عن فرحه بهذا
اليوم بالصوم، وهو نوع من العبادات. وبما أن النبي r أبدى اهتماماً بهذا اليوم بصومه
عرفنا أن العبادة في مختلف أشكالها جائزة لبيان مكانة هذا اليوم. وحتى لو تغير
الشكل فالمحتوى قائم لذا فالصوم أو إطعام المساكين، أو الاجتماع لمدح النبي r أو تبيان مناقبه وخلقه
الحسن كلها طرق لتبيان أهمية ذاك اليوم.
وقد جاء الأمر الإلهي
بالابتهاج بمبعث النبي r بقوله تعالى في كتابه
العزيز: )قل
بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا( (يونس: 58).
وقد جاء هذا الأمر لأن
الفرح يجعل القلب شاكراً لرحمة الله. وأية رحمة إلهية أعظم من النبي r إذ قال الله تعالى فيه: )وما
أرسلناك إلا رحمة للعالمين( (الأنبياء: 17).
ولأن النبي r بعث رحمة للعالمين كان
لزاماً ليس على المسلمين فقط، بل على كافة البشر أن يفرحوا به. ولكن مع الأسف نجد
أن بعض المسلمين هم في طليعة العاصين لأمر الله بالابتهاج بنبيه.
كان النبي r دائم
الربط بين المناسبات الدينية والأحداث التاريخية، وكلما مرت مناسبة هامة نبَه
أصحابه للاحتفال بذلك اليوم والتأكيد على أهميته حتى لو كان الحدث قد تم في زمن
سحيق. وهذا البدء يؤكده الحديث التالي من صحيح
البخاري في كتاب الصوم باب 69 وكتاب الأنبياء باب 24 وابن ماجد ومالك في الموطأ والإمام أحمد: أن النبي r قدم إلى المدينة فوجد
اليهود يصومون يوم عاشوراء، فسألهم فقالوا: هو يوم أغرق الله
فيه قوم فرعون، ونجى موسى، فنحن نصومه شكراً لله تعالى فقال: نحن أولى بصوم موسى
منكم.
إن في إقامة ذكرى مولد
النبي r ما يحث على الثناء والصلاة عليه وهو واجب أمرنا الله تعالى بالقيام
به:
)إن الله وملائكته
يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما( (الأحزاب:56)
فمجرد الاجتماع وذكر النبي r يجعلنا نثني ونصلي عليه، فمن له ان يمنع الالتزام بواجب أمرنا
الله به في كتابه العزيز. ولعمري ففي إنفاذ أمر من أمور الله نكتسب نوراً يملأ
قلوبنا بفيض لا حد له. والجدير بالذكر أن هذا الأمر أتى بالجمع: إن الله وملائكته
يصلون على النبي، كأنهم في اجتماع منعقد، فمن الخطأ الجسيم والحال هذه أن
يقال بأن الصلاة على النبي r يجب أن تكون على انفراد.
يطلب الله من النبي r بأن يذكّر أمته بأن على من يدعي
حب الله عليه أن يحب نبيه أيضاً:
)قل إن كنتم تحبون
الله فاتبعوني يحببكم الله(
0(آل عمران: 31).
فالاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف يعد من الالتزام
بالتكليف بحب النبي r وطاعته والإقتداء بسنته والفخر به لأن الله سبحانه وتعالى يفخر به
في كتابه العزيز:
)وإنك لعلى خلق عظيم( (القلم: 4).
فحب النبي r هو ما يميز المؤمنين في كمال
إيمانهم.
ففي حديث صحيح عن أنس بن مالك أن رسول الله r قال:
لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده
والناس أجمعين رواه البخاري ومسلم فكمال الإيمان
يعتمد على حب النبي r لأن الله تعالى وملائكته دائمون
في تشريفه كما جاء في الآية السابقة: إن الله وملائكته يصلون على النبي. فالأمر
الإلهي الذي جاء بعد هذه الآية: )يا أيها الذين آمنوا
صلوا عليه( صحيح
وواضح بأن صفة الإيمان تعتمد وتتجلى بالصلاة على النبي. اللهم صل وسلم
وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.
ومن البديهي أن تكون لنا دراية عن نبينا r عن حياته، معجزاته، مولده، أخلاقه، إيمانه، آياته، خلواته
وعبادته، وبعد أوليست هذه المعرفة واجبة على كل مسلم؟ فما الذي هو أفضل من الاحتفال وتذكر مولده الذي
يمثل أساس حياته كمقدمة لنكتسب المعرفة عن حياته؟
فبتذكرنا لمولده نبدأ بتذكر كل شيء عنه، وبذلك يرضى الله عنا لأننا حينئذ
نصبح قادرين على أن نعرف سيرة النبي r على وجه أفضل، ونصبح أكثر
استعداداً لكي نجعله مثالاً لنا نصلح به عثراتنا ونقتدي به. ولهذا كان الاحتفال
بالمولد فضلاً عظيماً أرسل ألينا.
في زمن النبي r كان من المعروف أن الشعراء يأتون
بقصائد كثيرة يمدحونه فيها ويذكرون فيها غزواته ومعاركه وصحابته. والبرهان على ذلك
واضح من الأشعار الكثيرة الواردة في سيرة ابن هشام، وأعمال الواقدي وغيرهما، وقد كان
النبي r راضياً عن الشعر الحسن وجاء في «الأدب المفرد» للبخاري قوله: «في الشعر حكمة». كما أن العباس بن عبد
المطلب رضي الله عنه وهو عم النبي r قد نظم شعراً مدح فيه مولد
النبي r ومن هذه الأبيات المذكورة في «حسن المقصد» للسيوطي (صفحة 5) وكتاب المولد لابن كثير (صفحة 30):
وأنت لما ولدت أشرقت ال
فنحن
في ذلك الضياء وفي |
أرض وضاءت بنورك الأفق
النور
وسبل الرشاد نخترق |
قال ابن كثير
في كتاب المولد: قال أصحاب رسول الله r كنا
إذا اشتدت الحرب اتقينا برسول الله r ،
وقد كان يوم حنين حين انهزم أصحابه عنه وولوا مدبرين. ولم يبق إلا في نحو من مئة
من أصحابه، وحده في مواجهة عدة من الألوف، في العدة الباهرة من الرماح والسيوف،
وهو مع ذلك على بغلته يهمزها إلى وجوه أعدائه وينوه باسمه ويقول:
|
أنا النبي لا كذب |
أنا ابن عبد المطلب |
وقد
رضي النبي r عن الذين مدحوه لأن في ذلك امتثالاً لأمر الله
وقد أعطاهم مما أعطاه الله. فلو عملنا شيئاً للتقرب من النبي فإنما نكون نعمل
للتقرب من الله عز وجل كما أن التقرب من النبي r يعود
علينا بمرضاة الله تعالى.
وقال
ابن القيم في كتاب مدارج
السالكين أن النبي r أقر عائشة على غناء
القينين يوم العيد. وقال لأبي بكر "دعهما. فإن لكل قوم عيداً وهذا عيدنا أهل
الإسلام". وبأنه r أذن بالغناء في العرس وسماه لهواً. وقد سمع رسول
الله r الحداء (أي الشعر). وأذن فيه. وكان يسمع أنساً
والصحابة، وهم يرتجزون بين يديه في حفر الخندق:
|
نحن الذين بايعوا محمداً |
على الجهاد ما بقينا أبدا |
ودعا
لحسان أن يؤيده الله بروح القدس ما دام ينافح عنه وكان يعجبه شعره وقال له اهجهم
وروح القدس معك. وأنشدته عائشة قول أبي بكر الهذلي:
|
ومبرئ من كل غبّر حيضة وإذا نظرت إلى أسرة وجهه |
وفساد مرضعة وداء مغيل برقت كبرق العارض المتهلل |
وقال
عائشة «أنت أحق بهذا البيت يا رسول الله» فسر بقولها.
وقد
ذكر ابن القيم أيضاً قصيدة عبد الله بن رواحة المطولة في مدح النبي r عندما دخل مكة، وبأنه دعا له. كما أنه r خلع بردته
على كعب بن زهير بعد أن ألقى قصيدته الشهيرة في مدح النبيr وطلب النبي r من أسود بن سارح بأن يصنع قصائد يثني فيها على
الله عز وجل، كما أنه r طلب من أحدهم أن ينشد معلقة «أمية بن أبي
السلط».
يقول
ابن القيم في كتابه (ص. 488):
أذن الله لنبيه r بأن
يرتل القرآن. وفي ذات يوم كان أبو موسى الأشعري يرتل القرآن على مسمع من
النبي r ، فلما فرغ أثنى عليه لترتيله وقال له: إنك لذو
صوت حسن، والله لقد أعطيت مزماراً من مزامير داوود. فقال أبو موسى: يا رسول
الله لو كنت أعلم بأنك تسمعني لرتلت بصوت لم تسمع مثله قط. وتابع ابن القيم يقول
بأن النبي r قال: «زينوا القرآن بأصواتكم» و«من لم يرتل
القرآن فليس منا».
ويعلق
ابن القيم في الصفحة 490 قائلاً: «الطرب جائز طالما أنه موافق للشرع» وهو
كالاستمتاع بمنظر جميل للجبال أو الطبيعة، أو برائحة زكية، أو مأكل طيب، ولو كان
الاستماع للصوت الحسن حراماً لكان الاستمتاع بكل هذه الأشياء حراماً أيضاً.
ويختتم
ابن القيم بقوله (صفحة 498): والاستماع إلى صوت حسن في احتفالات المولد النبوي أو
أية مناسبة دينية أخرى في تاريخنا لهو مما يدخل الطمأنينة إلى القلوب ويعطي السامع
نوراً من النبي r إلى
قلبه ويسقيه مزيداً من العين المحمدية.
لقد
حدد النبي r في حديثه أيام وأماكن ولادة الأنبياء السابقين.
فمن حديثه عن مكانة يوم الجمعة أنه قال: في هذا اليوم خلق الله آدم، وفيه أن أهمية
يوم الجمعة تعود لكون آدم ولد فيه وهو نبي وأب لجميع الناس فكيف باليوم الذي خلق
فيه أعظم الأنبياء وخير البشر. عن العرباض بن ساريه السلمي
رضي الله عنه قال قال رسول الله r: إني عند الله لخاتم
النبيين وآدم مجندل في طينته رواه ابن كثير
في كتاب مولد رسول الله r ورواه
أحمد في مسنده والبيهقي في دلائل النبوة.
عن
شداد بن عويس أمر
جبريل عليه السلام النبي r بصلاة
ركعتين ببيت لحم ثم قال له: أتدري أين صليت؟ قال: لا، قال: صليت ببيت لحم حيث ولد
عيسى رواه البزار وأبو
يعلي والطبراني.
وكذلك الحافظ الهيثمي في
مجمع الزوائد، ورجاله رجال الصحيح ج1 ص47 وقد نقل هذه الرواية الحافظ بن حجر في الفتح ج7 ص199.
إن
إقامة ذكرى المولد النبوي لعمل تقبّله علماء المسلمين في جميع أنحاء العالم. وهذا
يعني أن الله عز وجل يقبله بحسب ما جاء في الحديث عن ابن
مسعود بأن ما رآه المسلمون قبيحاً فهو عند الله قبيح، أخرجه أحمد في المسند.
مكة،
أم القرى، زادها الله رفعة وشرفاً، هي رائدة المدن الإسلامية في الاحتفال بالمولد وغيره.
وقد ذكر الأزرقي وهو من مؤرخي القرن
الثالث الهجري في كتابه أخبار مكة (ص. 160 الجزء الثاني) أنه من بين الأماكن التي
تستحب الصلاة فيها المنزل الذي ولد فيه النبي r. وقال أيضاً بأن المنزل قد
تم تحويله سابقاً إلى مسجد على يد أم الخليفتين موسى الهادي وهارون الرشيد.
كما
ذكر النقاش وهو من علماء القرآن (ص. 266
– 351) بأن موضع ولادة النبي
r هو مكان يستجاب فيه الدعاء عند الظهر من كل يوم
اثنين. ذكره الفاسي في كتاب شفاء الغرام (ص. 199
الجزء الأول)، وغيره.
إن
أقدم المصادر التي ذكر فيها إقامة احتفال عام لذكرى المولد هي كتاب رحال (ص.
114 115) لابن
جبير (ولد عام 540 وتوفي عام 614 هجرية):
يفتح
هذا المكان المبارك أي منزل النبي r ويدخله جميع الرجال للتبرّك به في كل يوم اثنين
من شهر ربيع الأول ففي هذا اليوم وذاك الشهر ولد النبي r.
وذكر
أبو العباس العظافي وابنه أبو القاسم العظافي
وهما من مؤرخي القرن السابع عشر في كتاب الدر المنظم والذي لم ير سبيله إلى النشر:
كان الحجاج الأتقياء
والمسافرون البارزون يشهدون أنه في يوم المولد في مكة لا يتم بيع ولا شراء كما
تنعدم النشاطات ما خلا وفادة الناس إلى هذا الموضع الشريف. وفي هذا اليوم أيضاً
تفتح الكعبة وتزار.
ويروي
ابن بطوطة المؤرخ الشهير من
القرن الهجري الثامن في رحلته (الجزء الأول ص. 309 – 347) : أنه بعد كل صلاة جمعة وفي يوم مولد النبي r يفتح
باب الكعبة بواسطة كبير بني شيبة، وهم حجّاب الكعبة، وأنه في يوم المولد يوزع
القاضي الشافعي وهو قاضي مكة الأكبر نجم الدين محمد ابن الإمام محيي الدين الطبري
الطعام على الأشراف وسائر الناس في مكة.
الوصف
التالي يطابق رواية ثلاث شهود أعيان لمرجعيات من القرن العاشر الهجري: وهم المؤرخ ابن زهيرة في كتابه الجامع اللطيف في فضل مكة وأهلها (ص.
326)، الحافظ ابن حجر الهيثمي من
كتاب لم ينشر له بعنوان كتاب المولد الشريف المعظم، والمؤرخ النهروالي من كتابه الإعلام بأعلام بيت الله الحرام ص.
205:
في
اليوم الثاني عشر لربيع الأول من كل عام وبعد
صلاة المغرب يخرج قضاة المذاهب الأربعة في مكة مع أعداد غفيرة من الناس بما فيهم
الفقهاء والفضلاء والشيوخ ومدرسي الزوايا وتلاميذهم وكذلك الرؤساء والمتعممين من
المسجد ويقومون جميعاً بزيارة لموضع ولادة النبي r وهم
يذكرون ويهللون. أما البيوت التي تقع في طريقهم فتضاء جميعها بالمشاعل والشموع
الكبيرة وتتواجد خارجها وحولها جموح غفيرة من الناس حيث يلبس الجميع ثياباً خاصة
ويأخذون أولادهم معهم. وعندما يصلون إلى موضع الولادة تلقى خطبة خاصة لذكرى مولد
النبي r ثم يتم الدعاء للسلطان ولأمير مكة وللقاضي
الشافعي ثم يصلي الجميع بخشوع. ثم قبيل صلاة العشاء يعود الجميع إلى المسجد الكبير
وهو يعج بالناس فيجلسون في صفوف متراصة عند أعتاب مقام إبراهيم. وفي المسجد يبدأ
الخطيب بالحمد والتهليل ثم الدعاء مرة أخرى للسلطان وللأمير وللقاضي الشافعي. بعد
ذلك يؤذن لصلاة العشاء ويتفرق الجمع بعد الصلاة. وجاء وصف مطابق لهذا في كتاب
تاريخ الخميس للديار بكري المتوفى عام 960
للهجرة.
في
كل دولة إسلامية معاصرة تجد الناس يحتفلون بذكرى المولد النبوي الشريف. وهذا ينطبق
على مصر، سوريا، لبنان، الأردن، فلسطين، العراق، الكويت، الإمارات، السعودية، (في
أكثر البيوت وليس على الصعيد الرسمي)، السودان، اليمن، ليبيا، تونس، الجزائر،
المغرب، موريتانيا، جيبوتي، الصومال، تركيا، باكستان، الهند، سريلانكا، إيران،
أفغانستان، أذربيجان، أوزباكستان، التركستان، البوسنة (يوغوسلافيا سابقاً)،
إندونيسيا، ماليزيا، بروناي، سنغافورة، ومعظم الدول الإسلامية الأخرى. وفي أكثر
الدول العربية يعتبر عطلة رسمية. فكل هذه الدول تحتفل بهذه المناسبة. فكيف يا أمة
الإسلام تقوم فئة قليلة وتقول بأنه حرام مع أننا أوردنا رأي ابن القيم وسنقوم الآن
بعرض رأي ابن تيمية وغيره.
هذا
هو رأي الإمام ابن تيمية في المولد من مجمع
فتاوى ابن تيمية الجزء 23 ص. 1634:
فتعظيم
المولد واتخاذه موسماً قد يفعله بعض الناس ويكون لهم فيه أجر عظيم لحسن قصدهم
وتعظيمهم لرسول الله r
ونذكر
هنا حادثة وقعت للإمام أحمد ابن حنبل شيخ مذهب ابن تيمية. فقد أخبره بعض الناس أن
أميراً أنفق ألف دينار على تزيين مصحف فقال لا بأس فهذا خير مكان ينفق فيه الذهب.
ونسأل
هل كان ابن تيمية يروّج بدعة عندما أذن بالاحتفال بالمولد؟
فهو لم يكتف بإجازته بل ذكر أن للمحتفلين أجراً
عظيماً. نسأل أيضاً هل كان الإمام أحمد يصطنع بدعة عندما أجاز بتزيين المصحف.
الجواب على كلا السؤالين هو النفي المطلق.
وهذا
هو رأي ابن تيمية في مجالس الذكر ويقع في الجزء 22 ص. 523، طبعة الملك خالد بن عبد
العزيز لمجمع فتاوى ابن تيمية:
وسئل
رحمه الله عن الفقراء يجتمعون في مسجد يذكرون ويقرأون شيئاً من القرآن ثم يدعون
ويكشفون رؤوسهم ويبكون ويتضرعون وليس قصدهم من ذلك رياء ولا سمعة، بل يفعلونه على
وجه التقرب لله تعالى فهل يجوز ذلك أم لا؟
فأجاب:
الحمد لله، الاجتماع على القراءة والدعاء حسن مستحب.
ويذكر
الإمام ابن حجر العسقلاني وهو
محدث من أتباع ابن تيمية في كتاب الدرر الكامنة في عين الماء الثامنة. عن ابن كثير يقول وفي آخر أيامه دوّن كتاباً عنوانه مولد
رسول الله r بلغت شهرته الآفاق. هذا الكتاب يجيز ويحض على
الاحتفال بالمولد، وفي ص. 19 يقول: إن ليلة مولد النبي r كانت
ليلة شريفة عظيمة مباركة سعيدة على المؤمنين، طاهرة، ظاهرة الأنوار جليلة المقدار.
وبحسب
مفتي مكة أحمد زين المعروف بدهلان
في كتابه السيرة النبوية والآثار المحمدية ص. 51: إن الاحتفال بالمولد وتذكر النبي
r مقبولان عند جميع علماء المسلمين وأكثر الاقتباسات التالية مأخوذة
من هذا الكتاب.
قال
الإمام السبكي:
عندما نحتفل بذكرى المولد النبوي الشريف يدخل الأنس قلوبنا ونشعر بشيء غير مألوف.
وقال
الإمام الشوكاني في
كتابه «البدر الطالع»: «إن الاحتفال بالمولد النبوي جائز». ويذكر أن الملاّ علي القاري كان له الرأي نفسه في كتاب
اسمه المورد الراوي في المولد النبوي، وقد وضعه خصيصاً ليؤيد الاحتفال بالمولد
النبوي.
وقال الإمام أبو شامة، شيخ الإمام النووي: أفضل ذكرى في أيامنا هي ذكرى المولد النبوي. ففي هذا اليوم يكثر الناس من الصدقات ويزيدون في العبادات ويبدون كثيراً من المحبة للنبي r ويحمدون الله