الرجـا ء

 

] قولهم في الرجاء [

 

قال الشيخ احمد زورق رحمة الله تعالى في تعريف الرجاء:

( الرجاء : السكون لفضله تعالى بشواهد العمل في الجميع  , وإلا كان إغتراراً ) .

 

وقد حثنا الله تعالى على الرجاء ونهانا عن القنوط من رحمته فقال :{ قُلْ يَا عِبَادِيَ الذِيْنَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَـطُوا مِنْ رَحمَـةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْـفِرُ الذنُوبَ جمِيْعـاً ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيْمْ }. وقال تعالى مبشراً بسعة رحمـته : {  وَرَحمَـتِيْ وَسِعَتْ كُلَّ شَيْء } .

وقال تعالى في وصف الذين يرجون رحمـته : { إِنَّ الذِيْنَ ءَامَنـُوا وَالذِيْنَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِيْ سَبِيْلِ اللهِ أُولَئِكَ يَرْجُـــونَ رَحْمَـتَ الله ِ} .

وجاء الحث على رجاء رحمة الله في كثير من الأحاديث الشريفة منها ما روى عن أبي هريرة t قال قال رسول الله r: ( والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله تعالى فيغفر لهم). رواه أبو هريرة .

وعن أبي موسى الأشعري t عن النبي r قال : ( يجيء يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب أمثال الجبال يغفرها الله لهم ، ويضعها على اليهود والنصارى ) .

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : سمعت رسول الله r يقول : (يـُدنى المؤمن يوم القيامة من ربه حتى يضع عليه كنفـَـه فيـقـرره  بذنوبه فيقول : أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول : رب أعـرف . قال : فإني قد سترتها عليك في الدنيا ، وأنا أغفرها لك اليوم ، فيُعطى صحيفة حسناته ) . أخرجه مسلم في كتاب التوبة.

والرجاء يختلف عن التمـني ، إذ الراجي هو الذي يأخذ بأسباب الطاعة طالباً من الله الرضى والقبول ، بينما يترك المتمنـي الأسباب والمجاهدات ، ثم ينتظـر من الله الأجر والمثوبة ، فهو الذي قال في حقه عليه الصلاة والسلام : ( والعاجز من أتبـع نفسه هواها وتمـنَّى على الله الأمـاني ) .

إذ كل من رجا الله تعالى وطلبه ، عليه أن يشمِّر عن ساعد الجِدِّ والاجتهاد بصدق وإخلاص حتى ينال مطلوبه ، ولهذا قال الله تعالى معلماً طريق طلبه : { فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَـدَاً } . الكهف

فعلى العبد إن كان في ريعان شبابه مقارفاً للذنوب مطيعاً لنفسه الشهوانية أن يغـلِّب جانب الخوف على الرجاء . أما إذا كان في نهاية عمره فعليه أن يغـلِّـب جانب الرجاء كما قال تعالى في الحديث القدسي : ( أنا عند حسن ظن عبدي بي ) . أخرجه البخاري في صحيحه .

وكما قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي يرويه جابر بن عبدالله t : ( لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عزوجـل ) . رواه مسلم في كتاب الجنة ، باب الأمر بحسن الظن بالله .

وإن كان العبد مقبلاً على ربه سالكاً طريق قربه فعليه أن يجمع بين مقامي الخوف والرجاء ، لا يغـلِّبُ الخوف على الرجاء حتى يقنـط من رحمة الله تعالى وعفـوه ، ولا يغـلِّـبُ الرجاء على الخوف حتى يسترسل في مهاوي المعاصي والسيئات ، بل يطير بهما محلقاً في أجواء صافية ، فلا يزال في قرب ودنو من الحضرة الإلـهية ، قد حقق صفة هؤلاء الذين وصفهم ربهم بقوله :

{ تَتَـجَافَـى جُـنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفَاً وَطَمْعَاً } .

خوفاً من ناره وطمعاً في جنته ، وخوفاً من بعده وطمعاً في قربه .

خوفا من هجره وطمعاً فى رضاه ، خوفاً من قطيعته وطمعاً في وصاله .

وليس الراجون بمرتبة واحدة ، بل هم على مراتب ذكرها ابن عجيبة رحمه الله تعالى إذ قال :( رجاء العامة حسن المآب بحصول الثواب ، ورجاء الخاصة حصول الرضوان والاقتراب ، ورجاء خاصة الخاصة التمكين من الشهود وزيادة الترقي في أسرار الملك المعبود ) . كتاب معراح التشوف

$$$