الرضا

 

] قولهم في الرضا [

 

قال السيد : ( الرضا سرور القلب بـمُرِّ القضاء  ) .

قال ابن عجيبة رحمه الله تعالى :( الرضا تلقي المهالك بوجه ضاحك ، أو سرور يجده القلب عند حلول القضاء ، أو ترك الاختيار على الله فيما دبر أو مضى، أو شرح الصدر ورفع الإنكار لما يرد من الواحد القهار) .

قال العلامة البركوي رحمه الله تعالى:(الرضا طيب النفس بما يصيبه وفوته مع عدم التغير) .

وقال ابن عطاء الله السكندري رحمه الله : ( الرضا نظر القلب إلى قديم اختيار الله تعالى للعبد ، وهو ترك التسخط ) .

وقال المحاسبي رحمه الله تعالى : ( الرضا سكون القلب تحت مجاري الأحكام).

 

فالرضا مقام قلبي ، إذا تحقق به المؤمن استطاع أن يتلقى نوائب الدهر وأنواع الكوارث بإيمان راسخ ، ونفس مطمئنة ، وقلب ساكن ، بل قد يترقى إلى أرفع من ذلك فيشعر بالسرور والفرحة بمـُـرِّ القضاء ، لأنه أحب الله وتحقق من معرفته سبحانه وتعالى .

كان بلال t يعاني سكرات الموت وهو يقول : ( وافرحتاه غداً نلقى الأحبة ، محمداً وصحبه) .

ولقد كان من هديه r أن يعلم أصحابه ويغرس في قلوب أمته الرضا بالله تعالى فكان يقول : ( من قال إذا أصبح وأمسى : رضينا بالله رباً وبالإسلام دينا ً، وبمحمد r رسولاً ، كان حقا ً على الله أن يرضيه ) . 

وما أكثر من يكرر هذا القول بلسانه وهو غير مطمئن القلب به ، ولا متذوق لمعانيه السامية ، ولا متحقق بمقاصده العالية ، خصوصاً حين تزدحم عليه المصائب ، وتداهمه الخطوب ، وتتكاثف على قلبه ظلمات الهموم والأكدار ، أو عندما يُدعى إلى حكم من أحكام الشرع يخالف هواه ويعارض مصالحه الخاصة .

فالرضا بالله أن يرضى بكل أفعاله في شؤون خلقه ، والرضا بالإسلام ديناً أن يتمسك بأوامره ويبتعد عن نواهيه ، ويستسلم لأحكامه ، والرضا بسيدنا محمد r نبياً ورسولاً أن يتخذ شخصيته مثلاً أعلى وأسوة حسنة ، فيتبع هديه ، ويقتفي أثره ، ويتحلى بسنته ، ويجاهد هواه حتى يكون تبعاً لما جاء به .

أما من حـُرم لذة الإيمان ونعيم الرضا ، فهو في قلق واضطراب ، و تضجر وعذاب وخصوصاً حين يحل به بلاء ، فتسود الحياة في عينيه ، فكم نسمع عن حوادث الإنتحار تزداد نسبتها ، ويتفاقم خطرها . والله المعين .

إن سيرة الرسول الأعظم r وخلفائه وصحابته الكرام رضوان الله عليهم والتابعين والصالحين فيض من الحوادث التي تدل على تحققهم بأعلى درجات الرضا ، فعندما ضُربَ رسول الله r يوم الطائف بالحجارة حتى أُدمي عقبه فتوجه إلى الله تعالى مخاطباً : ومما قال ( إن لم تـكن ساخـطاً عـليَّ فـلا أُبالي )  .

وكان الصحابة الكرام يُـعذَّبون في مكة ويقلب عليهم ألوان التنكيل والإيذاء وهم يتلقون ذلك كله بقلوب راضية ، ووجوه مبتسمـة ، وألسنة ذاكرة .

 

واعلم أن الله تعالى لا يرضى عن عبده إلا إذا رضي العبد عن ربه في جميع أحكامه وأفعاله ، وعندها يكون الرضا متبادلاً كما أشار إلى ذلك الحق تعالى بقوله : { رضي الله عنهم وضوا عنه } .

ولقد أدرك السادة الصوفية سر هذا التلازم والترابط بين الرضاءين ، فقد كان سفيان الثوري يوما عند رابعة العدوية فقال : ( اللهم أرض عني ، فقالت : أما تستحي من الله أن تسأله الرضا ، وأنت عنه غير راض ؟ فقال : استغفر الله .

 

فرضوان رب الجنة أعلى من الجنة ، بل هو غاية مطلب سكان الجنة ، كما أخبر رسول الله r بقوله : ( إن الله يقول لأهل الجنة : يا أهل الجنة ، يقولون : لبيك ربنا وسعديك ، فيقول : هل رضيتم ، فيقولون : وما لنا لا نرضى وقد أعطيتـنا ما لم تعطِ أحداً من خلقك فيقول : أنا أعطيكم أفضل من ذلك . قالوا : يا رب وأي شيء أفضل من ذلك ؟ فيقول : أُحل عليكم رضواني فلا أسخـط عليكم بعده أبداً ) .

$$$