الزهـد

 

] قولهم في الزهد [

 

قال ابن الجـلاّء : الزهد هو النظر إلى الدنيا بعين الزوال لتصغر في عينك فيسهل عليك الإعراض عنها .

وقيل : الزهد عزوف النفس عن الدنيا بلا تكلف .

وقال الإمام الجنيد رحمه الله تعالى : الزهد استصغار الدنيا ومحو آثارها من القلب .

وقال إبراهيم ابن أدهم رحمه الله تعالى : الزهد فراغ القلب من الدنيا لا فراغ اليد ، وهذا زهد العارفين ، وأعلى منه زهد المقربين فيما سوى الله تعالى من دنيا وجنة وغيرهما ، إذ ليس لصاحب هذا الزهد إلا الوصول إلى الله تعالى والقرب منه .

فالزهد ( تفريغ القلب من حب الدنيا وشهواتها ، وامتلاؤه بحب الله ومعرفته)

 

وبيَّن الله تبارك وتعالى في القرآن حقارة الدنيا وسرعة زوالها واستصغار شأنها ، وحثهم على عمل ما خلقوا لأجلها وهي العبادة فقال تعالى : { يَأَيــَّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الغَرُورْ } .

وقال أيضاً: { وَمَا هَذِهِ الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَ لَعِبٌ وَإِنَّ الدَارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُون } . وقال تعالى : { المَالُ وَالبَنُونَ زِيْنَةُ الحَيَاةِ الدًّنْيَا وَالبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابَاً وَخَيْرٌ أَمَلاً } .

 

أخبر رسول الله r أن الزهد وسيلة لنيل محبة الله تعالى ، فقد روى سهل بن سعد t قال : جاء رجل إلى رسول الله r فقال : يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس قال له : ( ازهد في الدنيا يحبك الله ، وازهد فيما في أيدي الناس يحبوك ) .

 

وقال r : ( إن الدنيا حلوة خضرة ، وإن الله تعالى مستخلفكم فيها ، فينظر كيف تعملون ، فاتقوا الدنيا ، واتقوا النساء ) .

 

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : أخذ رسول الله r بمنكبي فقال : (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل ) وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول : إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح ، وإذا فلا تنتظـر المساء ، وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك ) .

 

وصحابة رسول الله r أجمعين رضوان الله عليهم آثروا الزهد عن الدنيا وما فيها :

فقد خرج أبوبكر الصديق t عن ماله كله في سبيل الله ، فقال له رسول الله r : ( ما تركتَ لأهلك ؟ قال : تركتُ الله ورسوله ) .

وأما عثمان بن عفان فهو مجهِّز جيش العسرة .

 

ولا يجوز إنكار الزهد واتهامه بالرهبانية لأنه أصل في الدين ، وليس الزهد أن يتخلى المؤمن عن الدنيا فيفرغ يده من المال ، ويترك كسب الحلال ويكون عالة على غيره . فقد بيَّن رسول الله r المقصود الحقيقي للزهد فقال : (الزهادة في الدنيا ليست بتحريم الحلال ولا إضاعة المال ، ولكن الزهادة أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يدك ، وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أصبت بها أرغب منك فيها لو أنها أبقيت لك ) . أخرجه الترمذي .

والزهد ليس تجنب المال بالكلية بل تساوي وجوده وعدمه .

فقد كان رسول الله r يأكل اللحم والحلوى والعسل ، ويحب النساء والطيب والثياب الحسنة .

وفهم ساداتنا الصوفية أن الزهد مرتبة قلبية .

قال سيدي الشيخ عبدالقادرالجيلاني قدس الله سره : ( أخرج الدنيا من قلبك وضعها في يدك أو في جيبك ، فإنها لا تضرك ) .

وقال ابن عجيبة : ( هو خلو القلب من التعلق بغير الرب ) .

 

ولبسوا بعضهم المرقع وأكلوا الرديء من الطعام وتركوا الكسب الحلال ، ولكن حسدوا الناس على ما آتاهم الله من فضله ونعمه ، واكفهرُّوا في وجوه الأغنياء وقطعوا الأرحام وأخطأوا فاهتموا بإظهار الزهد و ملؤوا قلوبهم بحب الدنيا .

 

وكم من أناس أقبلوا على الدنيا وملذاتها فشغلت قلوبهم بحبها ، وعمرت بهاأوقاتهم بجمع حطامها وهم يزعمون أنهم تحققوا بالزهد القلبي ، وأنهم فهموا الزهد على حقيقته .

ولم يفهموا أن القلب يحتاج إلى طبيب لعلاجه ومرآة صادقة تريهم الحقيقة .

كما يصف بعض المرشدين مريديهم إلى المجاهدات بغية تفريغ قلوبهم من التعلقات الدنيوية ، من باب العلاج الضروري المؤقت ، فهي وسيلة حسنة للوصول إلى الزهد القلبي الحقيقي .

كما كان المرشد الكبير سيدي الشيخ عبدالقادر الجيلاني قدس الله سره ، يوجِّهُ تلامذته في بادئ أمرهم أن يجاهدوا أنفسهم ويروِّضوها على الاخشيشان والصبر والتقشف إلى أن يستوي عندهم الأخذ والعطاء والفقر والغنى  ، وتفرغ قلوبهم من سوى الله تعالى .

$$$