التوبـة

 

] قولهم في التوبة [

 

       التوبة : رجوع عما كان مذموماً في الشرع إلى ما هو محمود فيه ، وهي مبدأ طريق السالكين ، ومفتاح سعادة المريدين ، وشرط في صحة السير إلى الله تعالى .

وقد أمر الله تعالى المؤمنين بها في آيات كثيرة ، وجعلها سبباً للفلاح في الدنيا والآخرة . قال الله تعالى : { وَتُوبُوآ إِلَى اللهِ جَمِيعَاً أيهَّا المُؤْمِنُونَ لَعَلكَّمُ ْتُفْلِحُونْ} .

وقال تعالى : { اسْتَغْـفِرُوْا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهْ } .

وقال تعالى : { َيأيَّهَا الذِيْنَ ءَامَنـُوا تُوبُوا إِلى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحَاً } .

وكان الرسول المعصوم عليه الصلاة والسلام كثيراً ما يجدد التوبة ويكرر الاستغفار تعليماً للأمـة وتشريعاً . وعن الأغر بن يسار المزني رضي الله عنه قال : قال رسول الله r : (( يا أيها الناس توبوا إلى الله واستغفروه ، فإني أتوب في اليوم مائة مرة )) . قال الإمام النووي رحمه الله تعالى :( التوبة واجبة من كل ذنب ، فإن كانت المعصية بين العبد وبين الله تعالى لا تتعـلق بحق آدمي ، فلها ثلاثة شروط :

أن يقلع عن المعصية ، أن يـندم على فعلها ، أن يعزم أن لا يعود إليها أبداً.

فإن فقد أحد الثلاثة لم تصح توبته . وإن كانت المعصية تتعـلق بآدمي فشروطها أربعة :

الثلاثة هذه ، وأن يبرأ من حق صاحبها . فإن كانت مالاً أو نحـوه ردَّه إليه ، وإن كان حق الآدمي حدَّ قذفٍ ونحوه مكـَّنه منه أو طلب عفـوه ، وإن كانت غيـبة استحله منها ، ويجب أن يتـوب من جميـع الذنوب.

ومن شروط التوبة ترك قرناء السوء ، وهجر الأصحاب الفسقة الذين يحببون للمرء المعصية ، وينـفرون من الطاعة ، ثم الالتحاق بصحبة الصادقين الأخيار ، كي تكون صحبتهم سياجاً يردعه عن العودة إلى حياة المعاصي والمخالفات .

والصوفي لا ينظر إلى صِغـَر الذنب ، بل ينظر إلى عظمـة الرَّب ، اقتداءاً بأصحاب رسول الله r . فقد كان أنس بن مالك رضي الله عنه يقول : (إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر إن كنا نعدها على عهد رسول الله r من الموبقات. ) قال أبوعبدالله : يعني بذلك المهلكات.

ولا يقف الصوفي عند التوبة من المعصية ، لأنها في رأيه توبة العوام ، بل يتوب من كل شيء يشغل قلبه عن الله تعالى ، قال ذوالنون المصري t لما سُئِـل عن التوبة فقال : ( توبة العوام من الذنوب ، وتوبة الخواص من الغفلة. )

وقال عبد الله التميمي t :( شتان بين تائب وتائب ، فتائب يتوب من الذنوب والسيئات، وتائب يتوب من الزلل والغفلات ، وتائب يتوب من رؤية الحسنات والطاعات. )

واعلم أن الصوفي كلما صحَّحَ علمـه بالله تعالى ، وكثر عمـله دقت توبته ، فمن طهر قلبه من الآثام والأدناس وأشرقت عليه أنوار الإيناس لم يخـْفَ عليه ما يدخل قلبه من خفي الآفات، وما يعكر صفوه حين يهم بالزلات ، فيتوب عند ذلك حياء من الله الذي يراه. ويجب الإكثار من الاستغفار آناء الليل وأطراف النهار ، وهذا يشعر الصوفي بالعبودية الحقة والتقصير في حق مولاه . فهو اعتراف منه بالعبودية وإقرار بالربوبية . قال الله تعالى : {فَـقُلتُ اسْتَغْفِرُوا رُبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّارَاً ، يُرسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارَاً ، وَيُمْدِدْكُمْ بِأّمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيجْعَلْ لَـكٌـمْ جَنَّاتٍ وَيجْعَلْ لَكُمْ أنهَارَاً }

وقوله تعالى : إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِى جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ، ءَاخِذِينَ مَآ ءَاتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَالِكَ مُحْسِنِـيْن ، كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ الَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ، وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونْ } .

يقرأ الصوفي هذه الآيات وغيرها ، فيذرف الدمع أسفاً على ما قصَّـرفي حياته ، وحسرة على ما فرط في جنب الله . ثم يلتفت إلى عيوبه فيصلحها وإلى تقصيراته فيتداركها وإلى نفسه فيزكيها، ثم يكثر من فعل الطاعات والحسنات عمـلاً بقوله r: ( وأتبع السيئة الحسنة تمحها ) .

قال الشيخ أحمد زروق رحمه الله في قواعده : ( تعتبر دعوى المدَّعِي نتيجة دعواه ، فإن ظهرت صـحَّت ، وإلا فهو كذاب ، فتوبة لا تتبعها تقوى باطلة ، وتقوى لا تظهر بها استقامة مدخولة ، واستقامة لا ورع فيها غير تامة ، وورع لا ينتج زهداً قاصر ، وزهد لا يشيد توكلاً يابس ، وتوكل لا تظهر ثمرته بالانقطاع إلى الله عن الكلّ واللـَّجأ إليه صورة لا حقيقة لها ، فتظهر صحة التوبة عند اعتراض المحرَّم ، وكمال التقوى حيث لا مطَّلِع إلا الله ، ووجود الاستقامة بالتحفظ على إقامة الوِرد في غير ابتداع ، ووجود الورع في مواطن الشهوة عند الاشتباه فإن تـَرَك ذلك فكذلك ، وإلا فليس هنالك. )

$$$