الإسراء والمعراج

أسراره وحكمه

جمع

الزاوية القادرية

في 1415 هـ

تشرف بطبعه

خدام الزاويه القادرية

بسم الله الرحمن الرحيم

بسم الله الرحمن الرحيم

إهـداء

       إلى أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أهدي هذه الآيات الكريمة.

وهي قول الله تبارك وتعالى:

﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير﴾.

صدق الله العظيم

بسم الله الرحمن الرحيم

       الحمد لله الذي جعل الإسراء والمعراج في كل عام سمير وأنس للمؤمنين ، وخص هذه الأمة بإشراف المبين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي خصه الله بمقام المشاهدة وجعل صاحبه وأنيسه الروح الأمين وسلم تسليما كثيرا . وبعد

 

       النبي صلى الله عليه وسلم أرسله الله رحمة للعالمين أجمعين وأعلن ذلك ربنا سبحانه وتعالى للبشرية في كتابه العزيز بقوله تعالى :

(( وما أرسلناك إلى رحمة للعالمين )) (1) .

(1)         وخصه سبحانه وتعالى بخصائص ومعجزات عظيمة ومن تلك الخصائص والمعجزات الإسراء والمعراج.

 

وللإسراء والمعراج أسراراً وحكم كثيرة وحدث عظيم في تاريخ البشرية وفيه الخير للبشرية جمعاء.

 

       وقد أراد الله لهذه الأمة العظيمة الرفعة والسمو وذلك برفعته صلى الله عليه وسلم إلى أعلى مقام وأشرف منزلة.

 

       وحين جاء أمر الله عز وجل إليه صلى الله عليه وسلم بالإسراء والمعراج تكريماً له بعد عودته عليه الصلاة والسلام من الطائف التي عانا فيها عليه الصلاة والسلام أشد ماعاناه من أذ ثقيف ورميه بالحجارة حتى خضبت نعليه الشريفتين بالدماء وستأذن جبريل النبي صلى الله عليه وسلم أن يأمر ملك الجبال أن يطبق عليهم الأخشبين ولكن حلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعطفه فاق كل حلم وهذا من كماله ورحمته بهذه الأمة العظيمة . قال تعالى (( لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ماعنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم )) (1).

 

       وحين وصوله عليه الصلاة والسلام إلى مكة جاء جبريل عليه السلام بأمر الله عز وجل تكريما له ومنحه مقام الإسراء والمعراج وأسرى به عليه الصلاة والسلام من المسجد الحرام بمكة شرفها الله ، وحكمة ذلك أن الإسراء تم من مكة ولم يتم من مكان آخر حيث أن مكة هي نقطة الكون ، وهي القطب والقطب هي الآله التي تدور عليها الرحا والقطب هو أصل الشيء ومداده ليأتي قريش بالبينة قال تعالى (( لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة )) (2).

 

       وعرج عليه الصلاة والسلام إلى السماء وكرم ورفع إلى مقام الرفعة والمخاطبة وخطى على حجب الجلال بخطى الوقار والإصطفاء إلى أعلى حجب مقام وذلك المقام مقام مخاطبة الحبيب مع الحبيب مخاطبة الأحباب مع الأحباب صلى عليك الله يا رسول الله حين ماذاق البصر وما طغى صلى عليك الله يا سيدي يا رسول الله الذي أراك من آياته الكبرى صلى عليك الله يا سيدي يا رسول الله ولو كره الكافرون المكذبون. نال عليه الصلاة والسلام مقام المشاهدة التي ما نالها أحد قبله ولا بعده وذلك لأن الله إصطفاه وأتاه من فضله ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

 

(1)         سورة التوبة لآية " 128 ".

(2)         سورة البينة آية "1 ".

ولقد جاء في الإسراء والمعراج جميع مالهذه الأمة في الدنيا والآخرة من جميع الأمور التي تكون لها من منح سماوية وما أدخر الله لها من جزيل الثواب وعظيم العطاء وجعل الله الإسراء من مكة إلى بيت المقدس ليلا لحكمة بالغة وكان العرب قديما يقولون الإسراء محبب أي السفر ليلا وقبل الفجر مباشرة لما لهذا الوقت من صفاء وهدوء وأسري به عليه الصلاة والسلام رغما عن أنف مشركوا قريش ولو ان مكذبوه من قريش رضوا ما أتاهم الله من فضله ورسوله لكان خير لهم إذ أنه لا طريق يوصل إلى الله ولا عز في الدنيا والآخرة ولا فلاح إلا به عليه الصلاة والسلام ودليل رفعة مقامه هذا الإسراء والمعراج الذي خص الله به نبي هذه الأمة العظيمة لتنال شرف إنتسابها إليه عليه الصلاة والسلام.

ولله در البوصيري حينما قال :

 

سريت من حرم إلى حرم

كما سرى البدر في داج من الظلم

وبت ترقى إلى إن نلت منزلة

من قاب قوسين لم تدرك ولم ترم

 

وهكذا جاء فضل الله وكرمه وإحسانه لهذه الأمة أمة محمد صلى الله عليه وسلم التي حباها بخصال الكمال والمنح والفتح الذي لم يكن لنبي أمة سابقة من الأمم ، اللهم صلي على سيدنا محمد في الأولين وصلي على سيدنا محمد في الآخرين وصلي على سيدنا محمد في الملأ الأعلى إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا مثل ذلك.

 

 

 

 

*ما جاء في الإسراء *

 

الإسراء والمعراج كان يقظة بروحه وجسده صلى الله عليه وسلم وهو الصحيح والقول المعتبر لدى معظم السلف والخلف رضي الله عنهم أجمعين وحديث الإسراء والمعراج أجمع عليه المسلمون وأعرض عنه الزنادقة والملحدون الذين هم عن ربهم معرضون والذين يريدون ليطفؤا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون وأسرى به وعرج به من غير التباس ولا إشتباه ، وفتحت له أبواب السموات واجتمع عليه الصلاة والسلام مع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أجمعين وروى عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت : لما أسرى برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الأقصى أصبح يحدث الناس بذلك فارتد أناس كانوا قد أسلموا وآمنوا وسعى من المشركين من سعى إلى سيدنا أبو بكر الصديق فقالوا هلم إلى صاحبك يزعم انه أسرى به الليلة إلى بيت المقدس قال : وقد قال ذلك قالوا نعم قال لئن قال ذلك لقد صدق قالوا اتصدقه إنه ذهب إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح قال نعم إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك أصدقه في خبر السماء فسمي الصديق صديقا لتصديقه لرسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنك يا سيدنا يا أبا بكر الصديق حين تصديقك لرسول الله ورضي الله عنك حين صحبتك لرسول الله ورضي الله عنك حين هجرتك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنك حين جعلك الله خليفة لرسول الله ورضي الله عنك حين دفنت عند رجلي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

       وجاء في حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كذبتني قريش قمت في الحجر فجلى الله لي بيت المقدس فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه وفي آخر لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسراي وفي رواية جيء بالمسجد وأنا أنظر إليه حتى وضع عند دار عقيل فنعته وأنا أنظر إليه وفي أخرى أنهم قالوا له كم لمسجد بيت المقدس من باب قال ولم أكن عددتها قال فجعلت أنظر إليه وأعدها بابا وأعلمهم ، وأخبرهم عليه الصلاة والسلام عن عير لهم في الطريق وعلامات فيها فوجدوا ذلك كما أخبرهم عليه الصلاة والسلام وانزل الله قوله تعالى : (( وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس )) (1). فكان ذلك سبب لقوة إيمان من آمن وعاهد وزيادة في كفر من جحد وعاند.

 

       وأسرى به لتنال البشرية جمعاء به السعادة وليعلم الخلق أجمعين مكانته ورفعته ومشاهدته الكبرى مقام الإصطفاء والقرب قرب الحبيب من الحبيب ومخترق بذلك عليه الصلاة والسلام الزمان والمكان ليأتي بهذه المعجزة الكبرى التي أتت لترفع من شأن البشرية وتأخذ بيدها إلى القيم والطهارة والعفة وكانت حادثة الإسراء والمعراج جائزة له صلى الله عليه وسلم ولأمته بعد صبره على أذى قريش والضيق الذي رآه هو وأصحابه وإله في الشعب ووفاة عمه أبو طالب ووفاه زوجته السيدة المرضية خديجة وأسرى به صلى الله عليه وسلم في ليلة عظيمة ولله در من قال :

 

 

 

 

 

 

 

(1) سورة الإسراء الآية " 59 "

                    

في ليلة تتزين بالنور والإشراق

جبريل جاء نبيا يدعوه فوق براق

أجب نداء السماء ياسيد الأنبياء

يرعاك رب البرايا في رحلة الإسراء

أتيت تحمل فرضا خمسا من الصلاة

وتمنح الأرض فيض خير من البركات

وعاد فوق البراق من فوق سبع طباق

يدعو لمن صدقوه بالخير يوم التلاق

صلو على المختار يحاط بالأنوار

إن الذي نرتجيه قد فاز بالأسرار

 

       أخرج الترمذي عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوتي بالبراق ليلة أسرى به مسرجا ملجما فاستصعب عليه فقال له جبريل عليه السلام ما حملك على هذا وفي رواية أما تستحي ماركبك خلق قط أكرم على الله منه وفي رواية إبن مسعود إذا أتى على جبل ارتفعت رجلاه وإذا هبط ارتفعت يداه وفي رواية إبن سعد له جناحان وعن ابن عباس في صفته له خد كخد الإنسان وعرف كعرف الفرس وقوائم كما الإبل وأظافر وذنب كالبقر وكأن صدره يا قوتة حمراء وكان الذين أمسك بركابه صلى الله عليه وسلم جبريل وبزمامه مكيائيل.

 

       وروى البهيقي عن شداد بن أوس أنه أول ما أسري به صلى الله عليه وسلم مر بأرض ذات نخل فقال له جبريل عليه السلام أنزل فصل فصلى فقال صليت بيثرب ثم مر بأرض بيضاء فقال انزل فصل فصلى فقال صليت حيث ولد عيسى عليه السلام وتعرض له صلى الله عليه وسلم الشيطان والدنيا ولكن النبي عليه الصلاة والسلام أكرم من أن يلتفت لتلك العوائق وروى إبن إسحاق أنه عليه الصلاة والسلام قال لما فرغت مما كان في بيت المقدس أتى بالمعراج ولم أر قط شيئا أحسن منه وهو الذي يمد إليه الميت عينه إذا احتضر فأصعدني صاحبي فيه حتى انتهى إلى باب من أبواب السماء ، وفي رواية كعب فوضعت له مرقاة من فضة ومرقاة من ذهب حتى عرج هو وجبريل وفي كتاب شرف المصطفى أنه أوتي بالمعراج من جنة الفردوس.

 

       وإنه منضد باللؤلو عن يمينه ملائكة وعن يساره ملائكة وفي رواية للبخاري عن قتادة عن أنس بن مالك فانطلق جبريل حتى أتى السماء الدنيا فأستفتح قيل من هذا قال جبريل قال ومن معك قال محمد قيل وقد أرسل إليه قال نعم قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء ففتح فلما خلصت فإذا فيه آدم قال هذا أبوك آدم فسلم عليه فسلمت عليه فرد السلام ثم قال مرحبا بالإبن الصالح والنبي الصالح ثم صعد حتى أتى السماء الثانية فاستفتح قيل من هذا قال جبريل قيل من معك قال محمد قيل وقد أرسل إليه قال نعم قيل مرحبا فنعم المجيء جاء ففتح فلما خلصت إذا يحيى وعيسى وهما إبنا الخالة قال هذا يحيى وعيسى فسلم عليهما فسلمت فرد السلام ثم قالا مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ثم صعد إلى السماء الثالثة فاستفتح قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد أرسل إليه قال نعم قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء ففتح فلما خلصت إذا يوسف قال هذا يوسف فسلم عليه فسلمت عليه فرد السلام ثم قال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ثم صعد به إلى السماء الرابعة فاستفتح قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد أرسل إليه قال نعم قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء ففتح فلما خلصت إذا إدريس قال هذا إدريس فسلم عليه فسلمت عليه فرد السلام ثم قال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ثم صعد حتى أتى السماء الخامسة فاستفتح قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد أرسل إليه قال نعم قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء فلما خلصت فإذا هارون قال هذا هارون فسلم عليه فسلمت عليه فرد ثم صعد إلى السماء السادسة فاستفتح قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد أرسل إليه قال نعم قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء فلما خلصت فإذا موسى قال هذا موسى فسلم عليه فسلمت عليه فرد ثم قال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح فلما تجاوزت بكي قيل ما يبكيك قال أبكي لأن غلاما بعث بعدي يدخل الجنة أكثر ممن يدخلها من أمته ثم صعد إلى السماء السابعة فاستفتح جبريل قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد أرسل إليه قال نعم قال مرحبا به فنعم المجيء جاء فلما خلصت فإذا إبراهيم قال هذا أبوك إبراهيم فسلم عليه قال فسلمت عليه فرد السلام فقال مرحبا بالإبن الصالح والنبي الصالح ثم رفع إلى البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم رفع إلى سدرة المنتهى ثم أوتي بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل فأخذت اللبن فقال هي الفطرة التي أنت عليها وأمتك وجاوز صلى الله عليه وسلم سبعين حجابا كل حجاب مسيرة خمسمائة عام ثم دلي له عليه الصلاة والسلام رفرف خضر تغلب خضرته ضوء الشمس ووضع على ذلك الرفرف ثم احتمل عليه بعناية الله حتى وصل إلى العرش فأبصر أمر عظيما لا تناله الألسن وقال صلى الله عليه وسلم دلي إلي قطرة من العرش فوقعت على لساني فما ذاق الزائقون شيئا قط أحلى منها فأنبأني الله نبأ الأولين والآخرين.

 

       وفرضت عليه عليه الصلاة والسلام الصلاة وكانت خمسون صلاة وفي رجوعه عليه الصلاة والسلام مر بموسى عليه السلام فقاله بما أمرت في فرضت عليه الصلاة خمسين صلاة كل يوم قال إن أمتك لا تستطيع خمسون صلاة فارجع إلى ربك فأسأله التخفيف فما زال عليه الصلاة والسلام يراجع ربه حتى انهل سحاب الفضل فردت إلى خمس صلوات ولها أجر الخمسين كما شاء في الأزل ربنا وقضاء.

 

       ثم عاد صلى الله عليه وسلم فصدقه من صدقه من الرجال الذين جاء في وصفهم قوله تعالى : (( رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا )) (1). وصفا منه سبحانه وتعالى لعباده الذين اصطفاهم وحباهم برحمته وفضله واختارهم ليكونوا كذلك وهيأ قلوبهم وأرواحهم لمعرفته تعالى حتى أوصلهم إلى مقامة الصدق والتسليم وجاء وصفهم في آيات من كتاب الله في آيات عظيمة ومدحهم جل في علاه بقوله : (( آلم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين * الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون * والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون * أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون )) (2).

 

       ومن الله على هذه الأمة برسول هو أعظم مخلوقاته حسبا ونسبا أودعه في الأصلاب الطيبة والأرحام الطاهرة وجعل واسطته أنبياء ورسلا وأوحى إليه بكتاب هو أعظم الكتب السماوية وجعله مشتملا على علوم الأولين والآخرين فأقام به الملة السمحة وأتم به دينه ونصر به المؤمنين على أعدائهم ملكهم ولطف بهم إذ جعله بشرا مثلهم يخاطبهم بلسانهم وفي ذلك رأفة بهم وأتم نعمته عليهم وعلى نبيه صلى الله عليه وسلم إذ رأف بهم ولهذا وصفه الله سبحانه وتعالى بصفتين متجاورتين في قوله : (( بالمؤمنين رؤوف رحيم )) فلقد ألبسه الله من نعمته الرأفة والرحمة وهذا من تكريمه وتشريفه عليه الصلاة والسلام وتمام النعمة وإبلاغ الدرجة الكاملة أي إيصاله له تعالى إلى درجة لا درجة فوقها وهي الدعوة إلى مقام المشاهدة وقرب مكانة قال الإمام جعفر الصادق إبن محمد الحسين إبن علي رضي الله عنهم (( من تمام نعمته عليه إن جعله حبيبه )).

 

ومن حكم الإسراء وهي كثيرة منها

 

الحكمة الأولى :

ومن الحكمة في الإسراء به أولاً إلى بيت المقدس قبل المعراج فقيل ليحصل العروج مستوياً من غير تعريج لما روى عن كعب الأحبار أن باب السماء الذي يقال له مصعد الملائكة يقابل بيت المقدس قال : وهو أقرب إلى الأرض بثمانية عشر ميلاً.

وقيل ليجمع تلك الليلة بين القبلتين ، وقيل لأن بيت المقدس كان هجرة غالب الأنبياء قبله فحصل له الرحيل إليه في الجملة ليجمع بين أشتات الفضائل.

وقيل لأنه محل الحشر وغالب ما اتفق له في تلك الليلة يناسب الأحوال الأخروية فكان المعراج منه أليق وقيل : للتفاؤل بحصول أنواع التقديس له حساً ومعنى وقيل : لإرادة إظهار الحق على من عاند ، لأنه لو عرج به من مكة إلى السماء لم يجد لمعاندة الأعداء سبيلاً إلى البيان والإيضاح فلما ذكر عليه الصلاة والسلام أنه أسرى به إلى بيت المقدس سألوه عن جزئيات من بيت المقدس كانوا رأوها وعلموا أنه لم يكن رآها قبل ذلك ، فلما أخذهم بها حصل التحقيق بصدقه فيما ذكر من الإسراء إلى بيت المقدس في ليلة ، وإذا صح خبره في ذلك لزم تصديقه في بقية ما ذكر .

 

الحكمة الثانية :

أستنكر بعضهم وقوع شق الصدر ليلة الإسراء : وقال إنما كان ذلك وهو صغير في بني سعد .

قال شيخ الإسلام إبن حجر العَسقلاني : بل ثلاث مرات فقد ثبت أيضاً عند البعثة كما أخرجه أبو نعيم في الدلائل ، ولكلٍ حِكمةٌ ، فالأول كان في زمن الطفولية لينشأ على أكمل الأحوال من العصمة من الشيطان ثم عند البعثة زيادة في إكرامه ليتلقى ما يوحى إليه بقلب قوي في أكمل الأحوال من التطهير .

ثم عند الإسراء ليتأهب للمناجاة

قال ابن حجر ويحتمل أن تكون الحكمة في هذا الغسل لتقع المبالغة في الإسباغ لحصول المرة الثالثة كما هي في شرعه صلى الله عليه وسلم في الطهارة وهذه الحكمة من أعظم الحكم وألطفها وأدقها وحقها أن تكتب بماء الذهب على صفحات القلوب لإرتفاع محلها .

يقول شيخ الإسلام ابن حجر:

وهذا الذي ذكر من شق الصدر وإستخراج القلب مما يجب التسليم له ولا يصرف عن حقيقة لصلاحية القدرة فلا يستحيل شيء من ذلك والأمر كذلك ويؤيده الحديث الصحيح أنهم كانوا يرون أثر المخيط في صدره الشريف وما وقع من بعض جهلة العصر من إنكار ذلك وحمله على الأمر المعنوي وإلزام قائله القول بقلب الحقائق الممتنع فهو جهلٌ صريح وخطأ قبيح نشأ من خذلان الله تعالى لهم وعكوفهم على العلوم الفلسفية وعدم إحاتطهم بالقدرة الربانية وبعدهم عن دقائق السنة الشريفة عافانا الله من ذلك .

قال ابن المنير

وشق الصدر له صلى الله عليه وسلم وصبره عليه من جنس ما ابتلى به الذبيح وصبر عليه بل هذا أشق وأجل لأنه تلك معاريض وهذه حقيقة وأيضاً فقد تكرر ووقع له وهو رضيع يتيم بعيد من أهله عليه الصلاة والسلام وقد أختلف هل كان شق الصدر وغسله مخصوصاً به صلى الله عليه وسلم أو وقع لغير من الأنبياء .

 

الحكمة الثالثة :

الحكمة في إنفراج سقف بيته الإشارة إلى ما سيقع من شق صدره الشريف وأنه سيلتئم بلا معالجة

 

الحكمة الرابعة :

الحكمة في اختصاص الطست أنه أشهر الآت الغُسل عرفا والذهب لأنه أعلى أنواع الأوانى واصفاها ولأن فيه خواص ليست في غيره منها من أوانى الجنة وأنه لا تأكلها النار ولا تراب ولا يصداء وأنه أثقل الجواهر فناسب ثقل الوحي .

وقال السهيلي وابن دحيه

إذ نظر إلى لفظ الذهب ناسب من جهة إذهاب الرجس عنه ولكونه وقع عند الذهاب إلى ربه وإن نظر إلى معناه فلوضائته ونقائه وصفائه ولثقله والوحى ثقيل وأما تحريم إستعماله فهو مخصوص بأحوال الدنيا وذلك كان من أحوال الغيب فيلتحق بأمور الآخرة.

 

الحكمة الخامسة :

قال ابن المنير إنما كان الإسراء ليلاً لأنه وقت خلوه ولأنه وقت الصلاة التي كانت مفروضة عليه صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى (( قم الليل )) آية 2 المزمل ، وليكن أبلغ للمؤمن في الإيمان بالغيب وفتنة للكافر ولأن الليل محل الإجتماع بالأحباب قال ابن دحيه : ولإبطال قول الفلاسفة : إن الظلمة من شأنها الإهانة والشر ، وكيف يقولون ذلك مع أن الله تعالى أكرم أقواما في الليل بأنواع الكرامات كقوله في قصة إبراهيم : (( فلما جن عليه الليل )) 76 الأنعام إلى آخره ،

وفي لوط : (( فأسر بأهلك بقطع من الليل )) 81 من هود وفي موسى : (( وواعدنا موسى ثلاثين ليله )) 142 من الأعراف وناجاه ليلاً وأمره بإخراج قومه ليلاً في قوله (( فأسر بعبادي ليلاً )) 23 من الدخان واستجابة دعاء يعقوب فيه وهو المراد في قوله (( سوف استغفر لكم ربى )) 98 من يوسف قال المفسرون : أخره إلى وقت السحر من ليلة الجمعه وأظهر منه انشقاق القمر آيه له صلى الله عليه وسلم وإيمان الجن به وتبليغه إياهم الوحي كان ليلاً مع تفصيل الليل بسبقه النهار أي تقدمه في الخلق والابتداء به في جميع آي القرآن وسبق الليلة يومها إلا عرف وفيه ساعة الإجابة وهي في كل الليالي بخلاف الأيام فهي منها في الجمعة فقط وفي الليالي ليلة خير من ألف شهر وهي ليلة القدر وليس في الأيام يوم كألف شهر فضلاً عن أن يكون خيراً منها وأطيب السمر ليلاً لخلو الفكر فيه وألذ الوصال ليلاً بل هو وقته لقوله تعالى (( وهو الذي جعل لكم الليل لباسا )) 47 الفرقان وإشراق القمر فيه بخلاف النهار.

 

الحكمة السادسة :

قال ابن المنير : كانت كرامته صلى الله عليه وعلى آله وسلم في المناجاة على سبيل المفاجأة كما أشار إليه بقوله: بينا أنا وفي حق موسى عن ميعاد واستعداد ، فحمل عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ألم الانتظار.

 

 

 

الحكمة السابعة :

يؤخذ من وقيل (( أسرى بعبده )) مالا يؤخذ أن لو قيل : بعث إلى عبده لأن الباء تفيد المصاحبة أي صحبة في مسراه بالإلطاف والعناية والإسعاف .

 

الحكمة الثامنة :

قال ابن دحيه المعراج سلم من زمردة خضراء وقال ابن حجر روى كعب أنه مرقاة من فضه ومرقاة من ذهب وروى ابن سعد أنه منضد باللؤلؤ.

 

الحكمة التاسعة :

سبق في الأحاديث اختلاف في انه صلى الله عليه وعلى آله وسلم صل ببيت المقدس بالأنبياء قبل العروج أو بعده . وأن ابن كثير صحح أنه بعده وصحح القاضي عياض وغيره أنه قبله.

ويحتمل إذ كان بالأرواح حاجه أو بها مع أجسادها وأما رؤيته لهم في السماء فحمول على رؤية أرواحهم وأنها تشكلت بصورة أجسادهم إلا سيدنا عيسى عليه السلام لأنه رفع بجسده . وكذلك إدريس أيضاً أو أحضرت أجسادهم لملاقاته صلى الله عليه وسلم تشريفاً وتكريماً.

 

الحكمة العاشرة :

وقع اختلاف أيضاً في تقديم الأوانى له هل هو قبل العروج أو بعده قال ابن كثير وغيره : ولعله قدمت له مرتين لأنها ضيافة له صلى الله عليه وسلم والضيافة من الكريم نكون أكثر من آنين خصوصاً لمن يحب.

 

الحكمة الحادية عشر :

الصحيح الذي تقرر من الأحاديث الصحيحة أن العروج كان في المعراج لا على البراق ، وتمسك بعضهم ببعض الروايات السابقة قالوا أنه عرج فبلغ السماوات السبع في سبع خطوات لأنه يضع حافره عند منتهى طرفه.

 

الحكمة الثانية عشر :

ذكر ابن المنير قال ابن الحبيب إن بين السماء والأرض بحراً يقال له المكفوف يكون بحر الأرض بالنسبة إليه كالقطرة من البحر المحيط فعلى هذا يكون ذلك البحر أنفلق لنبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم : حتى جاوزه فهو أعظم من انفلاق البحر لموسى عليه الصلاة والسلام.

 

الحكمة الثالثة عشر :

استفتاح جبريل أبواب السماء لأنها كانت مغلقة وإنما تهيأ له بالفتح قبل مجيئه ، وإن كان ابلغ في الإكرام لأنه لو رآها مفتحة لظن أنها لا تزال كذلك فغفل ذلك لُيعلم أن ذلك لأجله تشريفاً ولأن الله أراد أن يطلعه على كونه معروفاً عند أهل السماوات أيضاً لأنه قيل لجبريل لما قال محمد : أبعث إليه ؟ ولم يقل من محمد ؟ مثلاً.

 

الحكمة الرابعة عشر :

قول الخازن ابعث إليه ؟ ليس استفهاماً عن أصل البعث لأنه مشهور في الملكوت الأعلى بل البعث للمعراج.

قال شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني رحمه الله

وفي قوله لجبريل : ومن معك ؟ دليل على انه أشعر بأن معه رفيقاً وإلا لقال أمعك أحد وذلك إما بمشاهدة الكون السماء سفاقة ، أو بأمر معنوي كزيادة أنوار أو نحوها تشعر بتجديد أمر يحسن معه السؤال بهذه الصيغة.

 

الحكمة الخامسة عشر :

الأضبط في الروايات في محل الأنبياء

أن آدم  عليه السلام:   في السماء الأولى      

 

ويحي وعيسى عليهم السلام: في الثانية

ويوسف عليه السلام: في الثالثة

وإدريس عليه السلام : في السماء الرابعة

وهارون عليه السلام: في السماء الخامسة

وموسى عليه السلام: في السماء السادسة

وإبراهيم عليه السلام: في السابعة

واختلف في الحكمة في اختصاص كل منهم بالسماء التي التقاه فيها.

فقيل : لا حكمة في ذلك وإنما أمروا بملاقاته فمنهم من سبق ومنهم من لحق ، وقيل بل للإشارة إلى تفاصيل درجاتهم

وقيل : الحكمة في الاقتصار على المذكورين الإشارة إلي ما سيقع له صلى الله عليه وسلم مع قومه من نظير ما وقع لكل منهم.

فأما آدم : فوقع التنبيه بما وقع له من الخروج من الجنة إلى الأرض بما سيقع له صلى الله عليه وسلم من الهجرة إلى المدينة والجامع بينهما ما حصل منهما من المشقة وكراهة فراق مألفه من الوطن ثم كان عاقبة كل منهما أن رجع إلى موطنه الذي أُخرج منه.

وبعيسى ويحي عليهم السلام : على ما وقع له أول الهجرة من عداوة اليهود على البغي عليه وإرادتهم وصول السوء إليه.

وبيوسف عليه السلام : على ما وقع له من اخوته من قريش من نصبهم الحرب له وإرادتهم هلاكه وكانت العاقبة له ، وقد أشار إلى ذلك بقوله لقريش يوم الفتح كما قال أخى يوسف ((لا تثريب عليكم )) 92 سورة يوسف

وبإدريس علية السلام على رفع منزلته عند الله

وبهارون عليه السلام : على أن قومه رجعوا إلى محبته بعد أن آذوه

وبموسى عليه السلام : على ما وقع له من معالجة قومه وقد أشار إلى ذلك بقوله علية الصلاة والسلام ( لقد أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر ).

 وبإبراهيم عليه السلام : في استناده إلى البيت المعمور بما ختم له صلى الله عليه وسلم في آخر عمره من إقامة منسك الحج وتعظيم البيت ذكر ذلك السهيلي واستحسنه شيخ الإسلام ابن حجر 

وقد ذكر في مناسبة لقاء سيدنا إبراهيم في السابعة معنى لطيف آخر وهو ما اتفق له صلى الله عليه وسلم من دخول مكة في السنة السابعة و طوافه بالبيت ولم يتفق له الوصول أليها بعد الهجرة قبل هذه بل قصدها في السنه السادسة فصد عن ذلك .

وقال ابن أبي جمره الحكمة في كون آدم في الأولى انه أول الأنبياء أول الآباء وهو اصل فكان أولا من الآباء ولأجل تأنيس النبوة بالأبوة وعيسى في الثانية لأنه اقرب الأنبياء عهدا من محمد صلى الله عليه وسلم ويليه يوسف لأن أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم يدخلون الجنة على صورته وإدريس عليه السلام قيل : لأنه أول من قاتل للدين فلعل المناسبة فيه الإذن للنبي صلى الله عليه وسلم بالمقاتلة ورفعه بالمعراج لقوله تعالى ( ورفعناه مكان عليا )57 مريم و الرابعة من السبع وسط معتدل وهارون لقربه من أخيه موسى وموسى ارفع منه لفضل كلام الله وإبراهيم عليه السلام لأنه الأب الأخير فناسب أن يتجدد للنبي صلى الله عليه وسلم بلقياه أنس لتوجهه بعده إلى عالم آخر وأيضا فمنزلة الخليل تقتضي أن تكون ارفع المنازل ومنزلة الحبيب الأعظم ارفع فلذلك ارتفع عنه إلى قاب قوسين أو أدني

الحكمة السادسة عشر :

قيل : اقتصر الأنبياء على وصفه بالصالح وتراودوا عليها لأنه الصلاح تشمل خلال الخير ولذاكرها كل منهم عند كل صفة.

 الحكمة السابعة عشر :

قال العلماء لم يكن بكاء موسى وقوله ما قال حسدا معاذ الله فإن الحسد في ذلك العالم منزوع عن آحاد المؤمنين فكيف لمن اصطفاه الله بل أسفا على ما فاته من الأجر الذي يترتب عليه رفع الدرجة بسبب ما وقع من أمته من كثرة المخالفة المقتضية لنقص أجورهم المستلزمة لنقص اجره لأن لكل نبي مثل أجر من تبعه ولهذا كان من اتبعه دون عدد من اتبع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من طول مدتهم.

و أما قوله غلام فهو على سبيل التنويه بعظمة الله وقدرته وعظيم كرمه إذا أعطى من كان في ذلك السن ما لم يعطه أحد قبله ممن هو أسن منه لأعلى سبيل التنقيص  قال الخطابي : والعرب تسمى الرجل المستجمع السن غلاما مادامت فيه بقيه من القوة قال شيخ الإسلام ابن جحر : ويظهر لي إن موسى عليه السلام أشار إلى ما انعم الله به نبينا عليه الصلاة والسلام من استمرار القوة في الكهولة إلى إن دخل في أول سن الشيخوخة ولم يدخل في بدنه هرم ولا اعترى قوته نقص حتى إن الناس في قدومه المدينة لما رأوه مردف أبا بكر أطلقوا عليه اسم الشاب وعلى أبى بكر اسم الشيخ مع كونه في العمر أسن منه

الحكمة الثامنة عشر :

قال القرطبي الحكمة في تخصيص موسى عليه السلام بمراجعة النبي صلى الله عليه وسلم في أمر الصلوات لعلها لكون أمة موسى كلفت من الصلوات بما لم يكلف به غيرها من الأمم فثقلت عليهم فأشفق موسى على أمة محمد صلى الله علية وسلم من مثل ذلك ويشير إليه قوله ( أني جربت الناس قبلك ).

وقال شيخ الإسلام إبن حجر:

 ويحتمل إن يكون موسى لما غلب عليه في الابتداء الأسف على نقص حظ أمته بالنسبة إلى أمة محمد صلى الله عليه وسلم حتى تمنى استدراك ذلك ببذل النصيحة لهم و الشفقة عليهم ليزيل ما عساه إن يتوهم عليه فيما وقع منه في الابتداء

الحكمة التاسعة عشر :

اختلف هل رأى النبي صلى الله عليه وسلم ربه ليلة المعراج على قولين مشهورين

فأثبت ذلك ابن عيسى رضي الله عنه وطائفة و أنكرته عائشة رضي الله عنها والصحيح ثبوتهما . قال الإمام احمد حدثنا الأسود بن عامر حدثنا حماد بن سلمه عن قتاده عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( رأيت ربي تبارك وتعالى ) أخرجه الإمام احمد في المسند 4 / 201 وصححه شاكر برقم 2580

 وقال الطبراني: حدثنا الهيثم بن خلف حدثنا يزيد بن عمر البراء القنوى حدثنا حفص بن عمر العدني حدثنا موسى بن سعد عن ميمون العباد عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : نظر محمد إلى ربه ؟ قال : نعم جعل الكلام لموسى و الخلة لإبراهيم والنظر لمحمد صلى الله عليه وسلم . أخرجهما الحاكم في المستدرك

الحكمة العشرون :

ذكر ابن المنير المعراج فقسمه إلى عشرة معاريج بعدد سنى ا الهجرة فذكر السبعة إلى السبع سموات وذكر مناسبة الهجرة كما تقدم قال : والثامن المعراج إلى سدرة المنتهى التي ينتهي إليها ما يعرج من الأرض وما ينزل من السماء قال : ومناسبة الثامنة من الهجرة أنها اشتملت على فتح مكة وهي أم القرى واليها المنتهى وقد غشيها أي السدرة الجراد وهو جند من جنود الله كما في الحديث, كما غشي مكة في الفتح جند الله وحزبه .

والتاسع : المعراج إلى المستوى الذي سمع فيه صريف الأقلام أي صريرها في الصحف وهذه الكتابة انتساخ من الأصل القديم المقرر الذي جف القلم منه بما كائن ومناسبة للسنَّة التاسعة إن فيها غزوه تبوك فخرج النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاثين ألفا واعلم الناس بها ولم يعد للتأهب ومع هذا الاستشهاد والاستعداد لم يلق فيها حربا ولا فتح بلد فأنتسخ العزم بالقدر وجفاف القلم.

 والعاشر المعراج إلى الرفرف و حينئذ لقي الله وسمع الخطاب وحضر حضرة الأنس ومناسبة للعام العاشر أمر بين واضح لأن فيه لقاء البيت و إكمال الدين و إتمام النعمة على المسلمين وعقبه لقاء رب العباد والانتقال إلى دار البقاء والمروج بالروح الكريمة إلى المقعد الصدق والوعد الحق والحمد لله رب العالمين حمدا يوافي نعمه و يكافئ مزيده وصلى الله وسلم على سيدنا سيد الأولين والآخرين واله و صحبه الطيبين الطاهرين والحمد لله رب العالمين

أخي القارئ

       معجزة الإسراء كانت تعرف في عالم الأرض كانت في كوكبنا الأرض من مكة المكرمة إلى المسجد الأقصى الشريف في فلسطين أما المعراج فلم يصرح به الله تعالى رحمة بعباده لأن الخلاف في حادثة الإسراء وهو في نطاق كوكب الأرض فإذا كان الناس قد اختلفوا في معجزة الإسراء ما بين مصدق ومكذب فاختلفوا في معجزة المعراج أشد وأنكى وأشد خطرا ، رحمة الله بعباده لم يصرح بالمعراج تصريحا واضحا في الآيات القرآنية إنما نوه تعالى بذكر المعراج بعد سورة الإسراء بخمس وثلاثين سورة فمن أراد أن يجمع بين معجزة الإسراء وبين معجزة المعراج في القرآن الكريم فالتجاوز خمس وثلاثين سورة بعد سورة الإسراء ليصل إلى سورة النجم التي لم تصرح بالمعراج إنما نوه بذكرها وإشارة إليها إشارة واضحة قال تعالى : (( والنجم إذ هوى ماضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى ذو مرة فاستوى وهو بالأفق الأعلى ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى ماكذب الفؤاد ما رأى افتمارونه على مايرى ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى إذ يغشى السدرة مايغشى ما زاغ البصر وما طغى لقد رأى من آيات ربه الكبرى )). (1) صدق الله العظيم. سورة النجم

 

       فيالها من فرحة عظيمة ويالها من معجزة كريمة أتت إلينا رحمة إلهية لتتشرف العوالم أجمع.

 

وقيل كل نبي عند رتبته                                ويا محمد هذا العرش فاستلم

 

 

ونختم بقول سيدي الشيخ عبد الباقي المكاشفي رضى الله عنه وختامها مسك :

 

                          

                    

يا رب صلي على النبي محمد

ما لاح برق الغور ليلا أليلوا

خفض المعالي علاك طرأ اكملوا

وغدا لسان العز عزك يشعلوا

وبلابل الأفراح ترقص فرحة

لحبوك وتخصيصك يا مرسل

ما لسمائك أن توازيه سماء

وتطاولك ما أن يحاز تطاول

يا ليلة تزهو على كل الدهر

فيها السفير أتاك سرعا مرسل

من نور وجهك أستعير شعاعها

شمس الأفق والبدر نوره آفل

والملأ الأعلى ركابك يخدم

ضاجين بين مكبر ومهلل

جاء البراق إليك وهو مهيأ

رام الشفاعة أجبته نال المأمل

فركبته للأقصى أقرب برهة

فنزلت فيه للصلاة يا مبجل

الروح أذن للصلة أقامها

والأنبياء صفوف وراءك أقبلوا

ورفارف الأنوار تحمل حضرتك

  والحجب جزتها يا كريم المنزلوا

ورأيت ذات الله جل جلاله

بقلب وعين الرأس صح منقل

قال أدن يا أحمد فأنت صفوتي

من خيرتي سل تعطى فهو ساهل

وسبع آلاف سنة فقطعتها

في ثلاث ساعات لفرشك واصل

صلى عليك الله ماصيب رشح

فوق الغصون سجيجه دام نازلوا

 

 

                    

 

             

 

 

 

 

 

 

الدعاء

       بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 

       اللهم صلي على سيدنا محمد صلاة تملأ خزائنك نورا وتكون لنا وللمسلمون فرجا وفرحا وسرورا.

 

       اللهم صلي على سيدنا محمد النبي المختار اللهم ببركة الصلاة عليه اكفنا شر الأشرار وكيد الفجار واجعلنا يامولانا من الأبرار الأخيار واحشرنا في زمرة النبي المختار وسلم تسليما كثيرا.

 

       اللهم صلي على سيدنا محمد صلاة تحسن بها الأخلاق وتوسع بها الأرزاق وتجمعنا معه يوم التلاق.

 

       اللهم إنا نسألك رحمة من عندك تهوي بها قلوبنا وتصلح بها أحوالنا وتجمع بها شملنا وترد بها ألفتنا وتلهمنا بها رشدنا وترزقنا رضاك يارب العالمين.

 

       اللهم إنا نسألك من النعمة تمامها ومن الصحة دوامها ومن الرحمة شمولها ومن العافية حصولها ومن العيش أرغده ومن العمر أسعده ومن الإحسان أتمه ومن الإنعام أعمه ومن الفضل أعذبه ومن اللطف أقربه.

 

       اللهم يامقلب القلوب والأبصار ثبت قلوبنا على دينك وحبك وحب نبيك صلى الله عليه وسلم اللهم يانور النور يامدبر الأمور بلغ عنا روح سيدنا محمد وأرواح الأنبياء والمرسلين والأولياء والصالحين عنا ألف ألف تحية وسلام.

 

سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

 

ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

 

اه