بسم الله الرحمن الرحيم

تباريح صوفية في أوراق مهربة من ذاكرة النسيان1

الورقة الأولى :

« وهي تشتمل على مقدمة

بالاظافة إلى بحث موجز عن مفهوم الكرامة »

اخرج الإمام البخاري في التاريخ ، والطبراني في المعجم ، وابن ماجة في السنن ، وابن حبان في صحيحة أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ قال : « لا يزال الله يغرس في هذا الدين بغرس يستعملهم في طاعته » .

وعن ابن عباس قال : سئل رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ من هم أولياء الله ؟. قال : « هم الذين يذكر الله عند رؤيتهم » . رواه النسائي والبزار .

هذه بعض المباحث الصوفية التي استوقفتني ، وأنا اقلب النظر في طرف من مناقب الكبريت الأحمر ، والعارف الأنور شيخ الباب محمد علي الشيخ محمد مسعود _رحمه الله تعالى ونفعنا به.

والكلام عن هذا الشيخ هو الكلام عن السهل الممتنع ، فاءنه لا ينكر من له تجربة في الدراسات الصوفية ما يجده الدارس من معاناة ، وما يحتاجه من جهد ، وما يصحبه من إرهاق ، فهي على حد قول الكاتب والباحث طه عبد الباقي سرور : « لا تزال بكرا لم تمهد سبلها ، ولم تعبد طرقها » ، وبالرغم من كثرة تلك الدراسات التي كتبت عن التصوف والصوفية فإنها إلى حد الآن لم تكشف عن كثير من القضايا الهامة في حياة القوم وأحوالهم وأفكارهم ، وأذواقهم بدرجة تشفي غليل الباحثين في هذا المجال .

هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى فاءن الشيخ لتواضعه الجم كان قليل الحديث عن نفسه يؤثر الستر والخمول إلا ما دعت الضرورة إليه ، فإنه يذكره كشاهد لمسألة ما مع الاقتضاب وهو بذلك يجسد شخصية الصوفي في قول الإمام ابن عطاء الله : « ادفن وجودك في ارض الخمول فما نبت مما لم يدفن لا يتم نتاجه » وهذه الحكمة هي أفضل توجيه لمن يريد الظهور ، ويتوهم أن قليلا من المعرفة ، والخبرة كاف لأن يتصدر الناس بَيد أن منصب الإمامة ، والإرشاد في الدين وفي غيره من الميادين يتطلب الصبر ، والتؤدة ، والخمول ، كالشجرة التي يختفي أصلها في ظلمة التراب أمدا تتكون فيه التكون الصحيح ، ثم من الإيمان أن تؤدي ما عليك لله لا للظهور ، فإن الذي يطلب وجه الناس سقط من عين الله .

وأعود لأقول بالإضافة إلى غياب أي ترجمة عنه من قبل طلبة العلم الذين عاصروه ، وتحلقوا به ، وكان لهم معرفة بأحواله ، وهذا إن دلَّ على شيء فاءنما يدلُّ على القصور ، والجحود الكبيرين لفضل هذا الرجل الصالح .

أما ما جاء في « الطوالع » عن حياته فهو مما تتناقله العامة في المجالس ، وهو جدير بأن يطوى ولا يروى ، وهو والله أعلم ليس أكثر من الترويج للذات لما تشمّه منها من رائحة الادعاء والصفحة رقم (5) منه كفيلة بأن تقنعك بذلك فقد جاء فيها قوله انّه : « ممن استجاب فعقل وشرب فنهل وأطاع فربح » .

ولا أريد أن تكون هذه الأوراق تفنيدا، ونقدا للطوالع فلذلك أوراق أخرى مخصصة وإنما الذي أريد أن يعلمه المطالع لكتاب الطوالع أن حياة الشيخ لا تقف عند تلك الصور المشوهة التي صورته بأنه الرجل الذي أرسل في طلب سيارة وبرفقة بعض محبيه يتجه شمالا تحو (20) ميلا لأجل أن يأكل برغلا ناعما جيد الطهي اشتهاه له بعض أحبابه هناك .

كما أنه ليس ذاك الرجل الذي نزل من السماء على بعضهم في مكان عرف بشدة الوحل المنقطع النظير ليلتفت ذلك المحب إلى الشيخ ، فيجد حذاءه جافا ، فيسأله شيخي من أين أتيت ؟.

فيجيب الشيخ قائلا : تتبعت الأحجار ، والأماكن الجافة علما أن الجو ماطر ، والوحل شديد ، ولا يوجد حجر يمشي عليه .

إنني لست ممن ينكر الكرامة أو يستخف بها لذلك لن أخوض هنا في الكلام عن حقيقتها ، وأصولها الشرعية ، فقد سبق لي الوقوف عند هذه المسألة في عمل سابق لذا سوف اكتفي هنا ببعض الإشارات الموجزة التي تلقي الضوء على جوانب منها فقط ومن أراد التفصيل فليرجع إلى تلك الكتابات المستفيضة حولها ، واذكر منها على سبيل المثال لا الحصر :

_  جامع كرامات الأولياء للشيخ بوسف النبهاني .

_  بهجة الأسرار للشطنوفي .

_  الفتوحات المكية للشيخ ابن عربي .

_  إحياء علوم الدين لحجة الإسلام الإمام أبي حامد الغزالي .

_  نشر المحاسن الغالية للإمام اليافعي .

_  رسالة في المعجزات ، والكرامات ، وخوارق العادات لشيخ الإسلام ابن تيمية .

إن الكرامة تجئ لتقرير يقين صاحبها، ودليلا على صدقه ، وعلى فضله بالشروط المقررة عند القوم لا دليلا على أفضليته .

تقرر الأفضلية بقوة اليقين ، وكمال المعرفة بالله عزّ وجلّ فكل من كان أقوى يقينا ، وأكمل معرفة كان الأفضل ، ولذا قال أبو القاسم الجنيد إمام الطائفتين : « قد مشى رجال باليقين على وجه الماء ، ومات من هو أفضل منهم يقينا » .

وقال ابن عطاء الله السكندري : « ليس كل من ثبت تخصيصه كمل تخليصه » .

فلا عبرة بها إذًا عند المحقيقين ، وإنما الكرامة الحقيقية هي الاستقامة ومردها إلى أمرين :

الأمر الأول : صحة الإيمان بالله تعالى .

الأمر الثاني : الإتباع الكامل لما جاء به النبي _صلى الله عليه وسلم_ ظاهرا وباطنا .

نعم إنَّ الصوفية يجعلون الكرامة من طبيعة حياتهم الروحية المضيئة ، ويقولون إنَّ الولاية لم يدعها في الإسلام سواهم ، وهي آية صدقهم ، وتقواهم ، ولكنهم مع هذا لا يكبرون من شأن الكرامة ، ولا يغترون بالخارقة بل يرونها من أنواع الابتلاء ، وأنّ الوقوف معها من علامات النقص.

الكرامة الكبرى عندهم هي ترقيهم في معارج الكمال الخلقي ، والروحي ، وثباتهم في هذه المعارج ، وتذوقهم لها مع حفظ جوارحهم ، وقلوبهم حفظا ربانيا هو علامة الرضا ، وآية القبول ، ودليل الكرامة الأعلى . يقول سهل بن عبد الله التستري : " اكبر الكرامات أن تبدل خلقا مذموما من أخلاق نفسك بخلق محمود " .

ويقول الجنيد : " إنَّ الاتكال على الكرامات احد الحجب التي تمنع المختار من النفوذ إلى صومعة الحق المحجبة " .

وإنَّ ممَّا يذكر من كرامات الإمام احمد أبي العباس المرسي الشاذلي تسليكه لنحو ثلاثين قاضيا ، وكان يقول لأحد مريديه وأظنه العرشي : " ليس الشأن أن تسلك كل يوم ألفا من العوام ، بل أن تسلك فقيها واحدا في مائة عام " . ويقول ايظا " ليس الشأن من تطوى له الأرض فاءذا هو بمكة وغيرها من البلدان إنما الشأن من تطوى عنه أوصاف نفسه فاءذا هو عند ربه " ومع ذلك فاءنه رضي الله عنه كان يقول هذه الكلمة المخلصة : " والله ما جلست حتى جعلت جميع الكرامات تحت سجادتي " . 

من هذه النظرة الصوفية للكرامة يتبين لك أنَّ كلام أرباب الغلو ، والمحبة المفرطة الذي ساقه لك صاحب الطوالع ما هو إلا قصص ، وحكايات عامية المنشأ لقيطة لا نسب لها شأنها شأن ما ذكر في كتب الطبقات التي لم تسلم من الأيدي المغرضة بالتزييف ، والتشويه لحياة أولئك الربانيين بقصد التنفير ، وتفريغ الأشخاص من محتواهم التاريخي ، وتصويرهم على نحو مفارق في عملية تأليفية تدخل فيما يسمى اليوم عالم السحرية الذي ينظر للواقع ، والتاريخ بعين عجائبية  ، وهكذا تبدأ عملية صناعة الكرمات والترويج لها حتى أن بعض الباحثين كالدكتور سعيد عاشور والدكتور يوسف زيدان والدكتور احمد صبحي ومحمد فهمي عبد اللطيف يرون أن ظروف المجتمع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الهابطة وعصور الضعف والانقسام والتفكك السياسي والاجتماعي كل ذلك يساعد على ذيوع كثير من الكرامات حول شيوخ الطرق الصوفية يصطنعها المنتفعون الذين يعشون على حساب سمعة ولي أو شيخ حيا أو ميتا بل إن الدكتور عامر النجار في كتابه الطرق الصوفية في مصر ذهب إلى ابعد من ذلك حين ارجع ذيوع الكرامات وانتشارها حول الأولياء والصالحين إلى عناصر قديمة الجذور متأصلة في نفسية الشعب المصري تجعله يؤمن بهذه الخرافات ولعل الدكتور استقى هذا التحليل السكولوجي من المرحوم زكي مبارك حين ارجع ذلك إلى بقايا الديانة الفرعونية وغير الفرعونية في نفوس الشعوب وهو جنوح وتعسف في التحليل غير مقبول منه .   

غير أنَّ ثمة مقصد نبيل تذكر الكرامة لأجله نصَّ عليه أئمة التصوف وهو فيما إذا كان تقوية لقلوب المريدين ، وإلهاب الهمم للسعي في طريق التصوف بأيدي المحبين وهو بنظري مقصد غير كاف لنسج مثل هذه الحكايات إلا لمن كان على ضعف ولذا كان الأوائل من الصوفية والأكابر من بعدهم حتى اليوم لا يعولون كثيرا عليها كعامل أساسي في ترجمة الصالحين وهم بذلك يغلقون باب الفتنة ، وباب الهجوم على التصوف فاءن جرى أمر عجيب على يد الولي فهذا من باب الأسرار التي بين الولي وربه ، وما كانت خليقة بأن تنشر على العامة ، ومن هنا سكتوا عنها ، وولوا وجوههم شطر الله المتجلي بالأسرار ، والحقائق ولم يشغلهم غيره .

فالإخفاق في إبراز حياة الشيخ ، والكشف عن منهجه الصوفي المتميز ، وذوقه العرفاني سببه الإيغال في المناهج الفاسدة المتبعة في تراجم الأولياء والصالحين ، وهي سنة سيئة سنها أقوام من قبل، فبدت تلك الدراسة وللأسف ذات عناوين صفراء ، وكلمات شاحبة وأقوال لم تصل إلى الأعماق في حين أن الشيخ رحمه الله ضرب لنا من خلال سيرته مثالا صادقا لأقوى روحانية مشت بين الناس وكلها يقين ، وجمال ، وحب ، وهو ما كنا نود لو أن صاحب الطوالع قد أبرزه في دراسته تلك لشخصية شيخ الباب المحاطة بهالة النور ، والصفاء ، والقداسة كما كنا نود لو انه عرض أمام أنظارنا تلك الملامح الجذابة لحياة شيخنا الوقور ، وجمع لنا مواد طريفة وشيقة باءمكانك أن تعتبرها عناوين سلوكية ضخمة وركائز أساسية متينة يستمد منها المنهج الصوفي السني مادته ، فقد عاش حياته رحمه الله عاشقا لله ، شديد الحب له ، شديد الرغبة فيه ،كان في زمرة الروحانيين سمع ما سمعوه من أسرار لأنه عادى جميع جوارحه وتفرد عن وجوده وتجرد حتى صار روحا منفردة لقد صار في مثل الحالة التي كان عليها قبل نفخ الروح فيه .

فجدير بنا أن نقف عند هذا اللون من السمو الروحي كي نواجه به موجة التفسخ والانحلال الخلقي في أيامنا هذه ، وجدير بنا أن نقف أمام الكرامة الحقة في نظري ، ونظر الكثيرين والتي تكمن بما أكرمه الله تعالى به من صبر على المجاهدات الروحية ، وجلد في تحصيل العلوم ونشر الهداية بين الناس كما تكمن في تلك الحقائق الربانية التي تتجلى في كلامه ، و أنت تصغي إليه .



1 ليس المقصود من كلمة « النسيان » ما يتبادر إلى الذهن من المعنى اللازم لها ، وإنما المقصود ما يجده الإنسان من فتور في الهمة ، ومشقة في الكتابة بسبب كثرة الشواغل ، والانصراف إلى منازعة عوائق الحياة ، ومشكلاتها .

وإلا فإن ما تركه الشيخ من آثار طيبة ، وعميقة في نفسي ، ونفوس غيري من الناس من خلال سيرته الفواحة العطرة ما جعلني أشرب حبه ، ومن ثمَّ أحببت أن أشرك غيري في حبه ، فحقه علينا أن نتعرف عليه ، ونعرف به .

فكانت صوفيات هذه الأوراق مستخرجة من مسودات جمعتها عن حياة الشيخ تحت عنوان « البحر المورود في مناقب ، ومآثر شيخ الإسلام محمد علي الشيخ محمد مسعود » ثم بدا لي بعد النظر فيها مرة أخرى أن اجعلها تحت هذا العنوان « المنهج الصوفي لحياة شيخ الإسلام محمد علي الشيخ محمد مسعود » والسبب هو أن الحديث عن هذا العارف هو في حقيقته حديث عن منهج متكامل لمدرسة في العلوم والمعارف ، والسلوك ، والتربية وهو كما ترى حديث واسع ، ومستفيض عن حياة كاملة قضاها في جهاد النفس ، وجهاد من اجل العمل ضمن نطاق إحياء العلم ، والمعرفة في نفوس الناس ، واستنقاذهم من أوحال الجهل ، وبراثن الخرافة ، وتصحيح المفاهيم المخطئة للدين .

ولا زالت هذه الدراسة حبيسة ، ومبعثرة فأسأل الله العلي القدير أن يهيئ لي من راحة البال ، وطمأنينة القلب ما يمكنني من تصنيفها ، وترتيبها لإخراجها على الوجه اللائق بها ، فقد اتبعت في كتابتها أسلوبا اظنه فريدا ، ومميزا ربما لا يجده القارئ في غيرها .