بسم الله
الرحمن الرحيم
تباريح صوفية في أوراق مهربة من ذاكرة النسيان
الورقة الثانية :
«
نجم الدين كبرى »
تمهيد
: لقد استطاع الصوفية المسلمون من ذوي الأصول الفارسية أن يشاركوا إخوانهم من
الصوفية العرب في كتابة التاريخ الصوفي ،فكانت
لهم الصدارة الملفتة ،
و المكانة المميزة عند المسلمين .
فهم أصحاب مذاق خاص ،
و أصحاب روح متأججة ترى ذلك في طبيعة حياتهم الروحية ، فهي أكثر اشتعالاً ، و
أشدُّ احتراقاً من نظرائهم العرب يقول الباحث الدكتور يوسف زيدان : ( بدأت في عمل
كتاب عن قتلى الصوفية ، و شهدائهم ، أولئك الذين تدفقت رحلتهم الروحية حتى انتهت
بواقعة موت عارم مروِّع أخَّاذ ، فوجدتهم كلهم من ذوي الأصول الفارسية : الحسين
ابن منصور الحلاج ، أبو الحسين النوري ، عماد الدين النسيمي ، عين القضاة الهمذاني
، شهاب الدين السهروردي ، مجد الدين البغدادي الخوارزمي ، نجم الدين كبرى ) .
و نجم الدين كبرى هو
واحد من الصوفية الفرس الأفذاذ ، و لسبب ما جعلني أقف قليلاً عند هذا الصوفي
الكبير ، فمن
هو الشيخ نجم الدين كبرى ؟ .
اسمه وألقابه : اتفق كل من
أرَّخ له على أنَّه : الإمام الزَّاهد القدوة المحدِّث الشَّهيد ، صانع الأولياء ،
أبو الجنَّاب أحمد بن عمر بن محمد
نجم الدين كبرى
الخوارزمي الخَيْوَقي .
فأمَّا قول المؤرخين عنه
بأنَّه " الإمام القدوة الزَّاهد " فهي ألقاب لم ينفرد بها الشيخ نجم
الدين في الواقع ، فإننا لا نكاد نجد فيما يقع بين أيدينا من تراجم سلف الأمة ، أو
خَلَفِهَا مَنْ لم يلقب بهذه الألقاب .
أمّا تلقيبه ﺑ " المحدِّث الشَّهيد " فلاشتغاله بعلم
الحديث الشريف و سماعه من المحدثين .
والشَّهيد : لاستشهاده
بخُوارزم في فتنة التتار على ما سأذكره لا حقاً
و أمَّا قول المؤرخين
عنه أنَّه " صانع الأولياء ، أبو الجنَّاب ، نجم الدين كبرى " فهي ألقاب
انفرد بها الشيخ نجم الدين ، بل إن لكل لقب منها حكاية و سبب ، و سأعرض لهذه
الألقاب بما يكشف عن بعض الجوانب المميَّزة لشخصية الشيخ نجم الدين .
أ _ " صانع
الأولياء " أو " ناحت الأولياء " .
لا أعلم أحداً غير الشيخ
نجم الدين أطلق عليه هذا اللقب و يُرجع د. يوسف زيدان إطلاق هذا اللقب على الشيخ لسببين
يرى أنَّ أحدهما معقولا ، و الثاني منقولا .
فأمَّا السبب المعقول ،
فهو كثرة من تخرَّجوا على يديه من أهل الولاية و الصلاح .
و أمَّا السبب المنقول
فهو أنَّ بعض المؤرخين من الصوفية ذكروا أنَّ الشيخ نجم الدين كان إذا نظر إلى شخص
، و هو في حالة الوجد ، و الانجذاب فإنَّ هذا الشخص ينجذب ، و يصير من الأولياء .
ب _ " أبو
الجنَّاب " بتشديد النون .
و لنترك الشيخ نجم
الدين نفسه يحكي لنا قصة هذه الكنية ففي كتابه " فوائح الجمال ، و فواتح
الجلال " يقول : ( و أمَّا كنيتي ، فكنت بالإسكندرية أسمع الأحاديث فغبت فرأيت
النَّبي _ صلى الله عليه و سلم _ و هو قاعد معي ثاني اثنين ثم أُلهمت حينئذ أنْ
أسأله عن كنيتي فقلت : يا رسول الله كنيتي أبو الجناب _ بالتخفيف _ أم أبو
الجنَّاب _ بالتشديد_ ؟. فقال : لا بل أبو الجنَّاب _ بالتشديد
وفي هذا إشارة لاجتناب
زخارف الدنيا ، و أمر بالتجرد ، و سلوك طريق الصوفية .
ﺟ " الكبرى " .
ذكر ابن العماد
الحنبلي في كتابه " شذرات الذهب " أنَّ الشيخ نجم الدين كان يسبق أقرانه
في صغره إلى فهم المشكلات والغوامض، فلقبوه ﺑ " الطامة الكبرى " ثم كثر استعماله ،
فحذفوا " الطامة " ، و أبقوا
" الكبرى "
تشير إليه.
د _ " الخُوارزمي
الخَيْوَقي " .
نسبة إلى خُوارزم وهي
ناحية كبيرة من بلاد فارس كما يذكر ياقوت الحموي وقد زارها سنة 616ﻫ ، والخَيْوَقي نسبة إلى بلدة خَيْوَق من نواحي
خُوارزم .
مولده و نشأته : في بلدة
خَيْوَق الخُوارزمية كان مولد الشيخ نجم الدين كبرى سنة 540هـ في أسرة متواضعة
الحال _ كمعظم أهل خُوارزم _
هذا ما جاء في المراجع
التي أرَّخت للشيخ دون الإشارة إلى الأسرة التي نشأ بين أفرادها .
توجه الشيخ نجم الدين لدراسة
العلوم الشرعية ، و على رأسـها الحديث النبوي الشريف ثم درس الفقه و التفسير و
غيرها من العلوم و لما استكمل معارفه الدينية وجد في نفسه ميولاً إلى التصوف ،
فرحل لأجل ملاقاة شيوخ التصوف ، و الأخذ منهم .
رحلاته : خرج الشيخ
نجم الدين من خُوارزم يطلب علوم الدين و على رأس هذه العلوم علم الحديث النبوي الشريف
، فقصد نيسابور ، و همذان ، و أصبهان ، و مكة المكرمة ، ثم عاد بعد ذلك إلى خُوارزم
عالماً محدِّثاً ، ثم قام برحلة ثانية يطلب فيها التصوف ، وكانت هذه الرحلة على
طريقة الصوفية ، فخرج من خُوارزم مرة أخرى قاصداً الأهواز ، لصحبة الشيخ إسماعيل القصري
، و بعد مدة خرج إلى أرمنية بناءً على أمر الشيخ إسماعيل حيث الشيخ عمار بن ياسر
المقيم بناحية " بدليس " و منها خرج إلى " مصر " و قد قضى فيها
زمناً متنقلاً من " القاهرة " إلى " قرى الدلة " إلى "
الإسكندرية " و في مصر أخذ علم التصوف عن الشيخ روزبهان ، و كما أنَّه سمع
الحديث
في هذه الرحلة من
الحافظ أبي طاهر السِّلفي و كان ذلك سنة 575هـ و من الإسكندرية اتجه إلى "
دمشق " حيث الشيخ ابن أبي عصرون ثم رحل إلى " بغداد " فأقام بها
زمناً ، ثم اتجه مرة أخرى إلى " بدليس"
حيث الشيخ عمار بن
ياسر، ثم عاد إلى بغداد ،و منها إلى بلده خَيْوَق
حيث ظل إلى وفاته يربي
المريدين ، و يدعو إلى الحق تعالى .
شيوخه : يقول الباحث
الدكتور يوسف زيدان :( هناك ثلاثة أصناف من الرجال الذين استفاد منهم الشيخ نجم
الدين كبرى ، فأما الصنف الأول فهم شيوخه في علوم الدين كــ " الحديث ،
والتفسير ، و الفقه "و الصنف الثاني هم شيوخه غير المباشرين في التصوف ، أولئك
الذين تعلم نجم الدين من
كتبهم ، و أخبارهم ، و الصنف الثالث الأخير شيوخه المباشرين في التصوف " .
و لا بأس من أن نتناول
هذا التصنيف الثلاثي بشيء من التفصيل .
أما شيوخه في علوم
الدين و هم من الفقهاء، و المحدثين كما أشار إليهم كلٌّ من الإمام الذهبي ، و
الإمام السبكي ، و داماد إبراهيم باشا فهم :
أبو محمد المبارك بن
الطباخ سمع منه في مكة ، و أبو طاهر السلفي ، و أبو الضياء بدر بن عبد الله
الحدادي سمع منهما بالإسكندرية ، و أبو المكارم أحمد بن محمد اللبَّان ، و أبو
سعيد خليل بن بدر الرازي ، و أبو عبد الله محمد ابن أبي بكر الكيزاني ، و أبو جعفر
ابن محمد بن أحمد بن نصر الصيدلاني ، و مسعود بن مسعود الحمال هؤلاء سمع منهم
بأصبهان ، والحافظ أبي العلاء سمع منه بهمذان ، و أبو المعالي الفراوي سمع منه
بنيسابور .
و أما شيوخه غير
المباشرين في التصوف فمنهم : أبو يزيد البسطامي ، و سهل ابن عبد الله التُّسْتَري ،
و أبو القاسم الجنيد ، و أبو بكر الواسطي ، و سمنون المحب ، و أبو النجيب
السهروردي ، و غيرهم .
أما شيوخه المباشرين
في التصوف فهم أولئك الذين صحبهم ، و تتلمذ على أيديهم يقول الشيخ نجم الدين:(
أخذت علم الطريقة عن روزبهان و العشق عن ابن العصر ، و الخلوة عن عمَّار ، و
الخرقة عن إسماعيل القصري ) .
و روزبهان الذي أخذ
عنه الشيخ نجم الدين علم الطريقة هو أبو محمد روزبهان ابن أبي نصر البقلي ، الفسوي
، الشيرازي الملقب ﺑ "شطَّاح
فارس " و يعد روزبهان من أعظم صوفية الإسلام .
و أما ابن العصر الذي
أخذ عنه الشيخ نجم الدين العشق ، فهو ابن أبي عصرون أبو سعد عبد الله بن محمد ابن
هبة الله الموصلي، الدمشقي و كان فقيهاً محدثاً متصوفاً .
و أما عمَّار بن ياسر ،
فهو أقرب شيوخ نجم الدين إلى نفسه ، و أكثرهم تأثيراً فيه ، فقد طالت الصحبة
بينهما ، و لم يصحب الشيخ نجم الدين بعده شيخاً آخر .
أما الشيخ إسماعيل
القصري ، فهو أول مشايخ نجم الدين في الطريق ، و في الترتيب الزمني لصحبة المشايخ
،و كان قد ألبسه الخرقة الصوفية .
على أيدي هؤلاء الكبار
الأفذاذ تخرَّج الشيخ نجم الدين ، و صار مفيداً لأهل زمانه الذين قصدوه لينهلوا من
علمه ، و يتبركوا بلقائه .
قال عنه الإمام الذهبي
في " سير أعلام النبلاء " : ( شيخ تلك الناحية ـ خوارزم ـ و كان صاحب حديث
، و سنة ملجأ للغرباء ، عظيم الجاه ) .
تلاميذه : أبرز لقب
للشيخ نجم الدين مرَّ معنا هو " صانع الأولياء " بسبب كثرة من تخرَّج على
يديه من أهل الولاية ، و الصلاح .
و أبرز مَنْ تتلمذ على
الشيخ نجم الدين ، و تخرَّج به :
سيف الدين أبو المعالي
سعيد ابن المطهَّر الباخرزي نزيل بخارى ، فقد صحب الشيخ ، و روى عنه الحديث ، و
لبس منه الخرقة ، و منهم
مجد الدين شرف بن
مؤيِّد ابن أبي الفتح البغدادي ، و منهم نجم الدين عبد الله بن محمد بن شاهاور بن
أنو شروان المعروف بنجم الدين داية كان محدثاً حافظاً ، وصوفياً شاعراً ، و قد ترك
عدداً كبيراً من المؤلفات أبرزها كتابه الذي وضعه في تفسير القرآن الكريم "
بحر الحقائق و المعاني في تفسير السبع المثاني " .
و هو تفسير صوفي على
طريقة " لطائف الإشارات " للقشيري ، و له أكثر من مئة رباعية شعرية ﺑ الفارسية ـ بعنوان " التمثل " .
و ممن تتلمذ على الشيخ
نجم الدين الشيخ رضي الدين علي بن سعيد الغزنوي اللالا .
و منهم سعد الدين محمد
ابن المؤيد ابن عبد الله بن علي الحموي الصوفي الجويني ، و هو تلميذه في الطريقة
من بعده ، فقد تلقى التصوف و الخرقة منه ،ارتحل إلى الشرق ،و سكن سفح جبل قاسيون
بدمشق ثم رجع إلى خراسان موطنه و ظل فيها حتى وفاته .
استشهاده : لقد اصطدم
الشيخ نجم الدين بأعظم موجة في العصور الوسطى الإسلامية و هي " المغول و
التتار " و التي انهارت أمامها الحصون و القلاع ، و كانت نهايتها بسقوط بغداد
سنة 656ﻫ .
و لنترك ابن العماد
يروي لنا قصة استشهاد الشيخ نجم الدين يقول : (استشهد الشيخ ـ رضي الله عنه ـ
بخُوارزم في فتنة التتار ، وذلك أنَّ سلطانها قال للشيخ ، و أصحابه ، و كانوا نحو
ستين : ارتحلوا إلى بلادكم فإنَّه قد خرجت نار من المشرق تحرق إلى قرب المغرب ، و
هي فتنة عظيمة ما وقع في هذه الأمة مثلها .
فقال بعظهم للشيخ نجم
الدين : لو دعوت برفعها ! فقال : هذا قضاء محكم لا ينفع فيه الدعاء . فقالوا له :أتخرج
معنا ؟ قال : ارحلوا أنتم فإنِّي سأُقتل ها هنا .
و لما دخل الكفار
البلد ، نادى الشيخ و أصحابه الباقون " الصلاة جامعة " ، ثم قال : قوموا
نتقاتل في سبيل الله ، فدخل بيته ، و لبس خرقة شيخه ، وحمل على العدو ، فرماهم
بالحجارة ، و رموه بالنبل و جعل يدور، و يرقص حتى أصابه سهم في صدره فنزعه و رمى
به نحو
السماء و فار الدم و
هو يقول : إنْ أردت فاقتلني بالوصال أو بالفراق !
ثم مات و دفن في رباطه
ـ رحمه الله تعالى ـ و كان ذلك في سنة 618ﻫ
هذه هي واقعة استشهاد
الشيخ نجم الدين كما رواها ابن العماد .
لقد أراد الشيخ نجم
الدين أن يعلمنا كيف نموت ميتة ً مجيدةً ، أراد أن يضرب للمسلمين مثلاً في عدم
الخوف من الموت ، وفي الاقتحام الذي آخره الشهادة ، وما رقصه لحظة استشهاده إلاَّ
فرحة روحية بالخروج من أسر الخوف ، بل هو معنى الفناء في الله تعالى على ما أشار
إليه مولانا جلال الدين الرومي من بعده حين قال : ( لا يفنى في الله من لم يعرف
قوة الرقص ) .
مؤلفاته : ترك لنا
الشيخ نجم الدين عدداً من المؤلفات ، وكلها ضمن نطاق التصوف بالرغم من اشتغاله
بعلم الحديث النبوي الشريف ، والفقه ، ومن أهم مؤلفاته :
1
" التأويلات النجمية " و هو
تفسير للقرآن العظيم و قد اعتمد على هذا التفسير اثنان من المفسرين :
الأول هو تلميذه نجم الدين داية في تفسيره
" بحر الحقائق " .
الثاني هو الإمام إسماعيل حقي البرسوي في
تفسيره "روح البيان".
2 " فوائح الجمال و فواتح الجلال " و
قد قام بدراسته و تحقيقه و العناية به الباحث الدكتور " يوسف زيدان "
وقد مهَّد للكتاب بدراسة وافية ، ومستفيضة عن حياة الشيخ نجم الدين جاءت في مئة
صفحة قمت بتلخيصها ، و انتقاء الأفكار الرئيسة لها في هذا المقال الذي بين يديك .
3
" الأصول العشرة " و تعرف
باسم " بيان أقرب الطرق " .
4
رسالة "السفينة
" .
5
رسالة " الخائف
الهائم من لومة اللائم " .
6
" طوالع التنوير " .
7
" منازل السائرين " .
8
" سكنات الصالحين " .
9
" الرباعيات " و هي مجموعة أشعار باللغة الفارسية .
طريقة الشيخ نجم الدين
و فروعها :
كان لتلامذة الشيخ نجم
الدين كبرى الفضل في نشر تعاليم الشيخ ، و طريقته التي عُرِفت بـ " الكبروية
" ثم تفرعت بعد مرور الزمن إلى فروع عديدة صار لكل فرع من هذه الفروع شيخ و
مريدون .
ومن هذه الفروع :
الكبروية الهمدانية ، و الكبروية النورية ، و الكبروية الركنية ، و الكبروية
الذهبية الأغتشاشية ، و الكبروية النوربخشية ، و الكبروية العيدروسية ، و الكبروية
الفردوسية ، و قد تميزت هذه الفروع بنفس الخصائص التي ظهرت في تصوف شيخها الأول نجم
الدين كبرى .
هذا و من أراد
الإستزادة فليرجع إلى الدراسة التي أعدها الباحث الدكتور يوسف زيدان خلال خدمته
لكتاب " فوائح الجمال و فواتح الجلال " و في هذه الدراسة يحيل الباحث
الى المراجع ، و المصادر التي ترجمت الشيخ ،وهي تزيد عن خمسين مرجعاً ما بين مطبوع
ومخطوط و عربي و أجنبي ، و كذلك في الترجمة التي أعدَّها له في كتابه " شعراء
الصوفية المجهولون " .
هذا ، و بالله التوفيق
، و السداد .
وافق الفراغ من
تحريرها في
12 ربيع الأول سنة 1425 ﻫ
بمدينة الباب حرسها
الله بعين عنايته